رغم مليارات الدعم.. أسعار الأضاحي تشتعل والشناقة يهيمنون على السوق وسط عجز حكومي عن كبح الغلاء
جريدة النهضة: هيئة التحرير والنشر
تستقبل الأسواق المغربية شعيرة عيد الأضحى هذا العام وسط حالة من القلق المتزايد والنقاش العمومي المحتدم، حيث يضع مهنيو القطاع والمستهلكون على حد سواء سوق الماشية وسلاسل الإنتاج الرعوي تحت مجهر المساءلة، تزامنا مع موجة غلاء غير مسبوقة تثقل كاهل الأسر وتعمق الفجوة بين الالتزامات الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطنين.
وفي مقابل الوعود الحكومية المتكررة بتشديد الرقابة وتفعيل المقاربة الزجرية لمحاصرة شبكات الوسطاء والمضاربين، يكشف الواقع الميداني عن محدودية هذه الإجراءات الموسمية التي باتت تعيد إنتاج الأزمة ذاتها كل عام دون ملامسة جذورها البنيوية.
إن الواقع على الأرض يفضح بشكل صارخ محدودية هذه الإجراءات الظرفية، فلو كان الإشكال مقتصرا على مجرد وسطاء انتهازيين يظهرون مع حلول العيد، لما شهدت أسعار الأضاحي قفزات قياسية ضاعفت ثمن الخروف تقريبا خلال السنوات الأخيرة.
هذه القفزة الصاروخية تأتي في سياق يثير الكثير من علامات الاستفهام، إذ تزامنت مع ضخ الدولة لمليارات الدراهم لدعم القطاع الفلاحي ومواجهة تداعيات الجفاف المستمر، عبر برامج تزويد الكسابة بالأعلاف المدعمة كالشعير والعلائق المركبة وتوفير مياه التوريد للماشية.
والمفارقة الصادمة هنا تتجلى في معادلة مقلوبة، كلما زاد حجم الدعم العمومي الموجه للقطاع، ارتفعت الأسعار بشكل أكثر حدة، ليجد المواطن البسيط نفسه الحلقة الأضعف في منظومة يبدو أنها تخدم مصالح الجميع، من كبار المستوردين والمنعشين الفلاحيين، باستثناء المستهلك النهائي.
وتكشف لغة الأرقام الصادرة عن الهيئات المهنية والتقارير الميدانية عن صورة أكثر تناقضا داخل بنية السوق، فالفلاح والمربي الصغير, الذي يتحمل العبء الأكبر طوال السنة عبر مواجهة التقلبات المناخية القاسية، وارتفاع كلفة الأعلاف، وتكاليف التلقيح والرعاية الصحية للمواشي، لا يجني في نهاية المطاف سوى فتات القيمة المالية، حيث لا تتعدى حصته في كثير من الأحيان 12 في المائة من السعر النهائي للأضحية.
في المقابل، تبتلع شبكات الوساطة والمضاربة المنظمة ما يقارب 34 في المائة من هذه القيمة دون تقديم أي قيمة مضافة حقيقية للمنتج أو للمستهلك.
هذا التفاوت الصارخ يؤكد أن الشناقة لم يعودوا مجرد ظاهرة عشوائية ترتبط بأسواق السبت أو الأحد، بل تحولوا إلى بنية منظمة ومتحكمة في مسارات التوزيع، مستغلين غياب الشفافية، وضعف الرقابة الصارمة على هوامش الربح، وغياب أسواق نموذجية قادرة على ربط المنتج بالمستهلك بشكل مباشر.
ولا تقف الأزمة عند حدود المضاربة المالية، بل تمتد لتطال البنية التنافسية والإحصائية للقطاع الفلاحي بالمغرب.
ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي الوطني أن السوق يعاني من هيمنة لوبيات قوية تستفيد بشكل مباشر من رخص الاستيراد والدعم المالي المخصص لتشجيع استيراد الأغنام من الخارج لإعادة التوازن للسوق الوطني، دون أن يظهر للأثر المالي لهذا الدعم أي انعكاس إيجابي على القدرة الشرائية للمواطنين في الأسواق الشعبية.
ومما يذكي نار هذه الأزمة، تنامي موجة التشكيك الواسع في دقة المعطيات الرسمية المتعلقة بحجم الرأس الموجه للذبح وأرقام القطيع الوطني، إذ يرى مهنيون أن الأرقام التي تعلنها الجهات الوصية لا تطابق الواقع المعيش داخل الكسائب والأسواق، مما يطرح علامات استفهام ثقيلة حول صدقية المؤشرات التي تبنى عليها القرارات الاستراتيجية.
وعندما تصبح الإحصائيات الرسمية ضبابية وخاضعة للتقديرات، فإن تدبير قطاع حيوي يمس السلم الاجتماعي للمغاربة يتحول من سياسة عمومية استشرافية مبنية على الحقائق، إلى مجرد تسيير قطاعي يطغى عليه الارتجال والعشوائية، مما يفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مراجعة جذرية للمنظومة الفلاحية والتسويقية برمتها لحماية المواطن من مقصلة الغلاء ومخالب الاحتكار.

