جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

الموت خنقا تحت أقدام الشرطة الإيطالية.. حادثة تعيد ملف كرامة المهاجرين والمساءلة إلى الواجهة

جريدة النهضــة – هيئة التحرير والنشر

تحولت شوارع إيطاليا إلى مسرح لفاجعة إنسانية مؤلمة كان بطلها التجاوز المفرط في استخدام القوة من طرف عناصر من الشرطة الإيطالية، وضحيتها المواطن المغربي “عبد الرحيم فقير”، البالغ من العمر43 عاما، والذي قضى نحبه خنقا بعدما عاش في ديار الغربة زهاء 35 عاما.

لم تكن نهاية عبد الرحيم مجرد رقم يضاف إلى قائمة ضحايا العنف، بل كانت لحظة انكسار إنساني حاسمة وثقتها الكاميرات بالصوت والصورة، لتكشف عن مشاهد يندى لها الجبين لرجل أعزل يصارع الموت تحت ثقل أجساد تثبته قسرا وبوحشية إلى الأرض، وهو يتألم بصوت يختنق ويطلق استغاثاته الأخيرة بكلمات خنقها الرعب والوجع: “النجدة.. يكفي”، دون أن تجد صرخاته أي استجابة تذكر.

تثير هذه الفاجعة أسئلة حارقة ومؤلمة حول دوافع ومبررات هذا التعامل القاسي مع إنسان كان يمر بظروف صحية أو نفسية طارئة، إذ كيف تتحول الأجهزة الأمنيّة، التي يفترض فيها حماية الأرواح وصون الأمن، إلى وسيلة تجهز على المواطنين في لحظات ضعفهم الإنساني؟ إن المشاهد الموثقة بالداخل لا تدع مجالا للشك في أن الأسلوب المستخدم في التثبيت والضغط المفرط قد تجاوز كل الحدود القانونية والإنسانية، ليتحول التدخل الأمني إلى فعل قاتل يستوجب المساءلة الشديدة، ويضع الضمير العالمي أمام اختبار أخلاقي وحقيقي في التعامل مع قضايا المهاجرين.

تضع هذه النتيجة القاسية السلطات الإيطالية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تاريخية لا تقبل التملص أو المماطلة، فأي محاولة للتسويف أو المداراة أو التستر خلف المبررات الأمنية الواهية ستكون بمثابة شرعنة صريحة للعنف واستخفاف تام بأرواح المهاجرين.

إن المطلوب اليوم هو فتح تحقيق عاجل، شامل، وشفاف تحت إشراف قضائي محايد، ينتهي بتقديم كل المتورطين في هذه الفاجعة إلى العدالة لمحاسبتهم دون محاباة، ليكون القانون هو الحكم والفيصل في رد الاعتبار لروح الضحية ولأسرته المكلومة التي تعيش على وقع صدمة لا توصف.

على صعيد آخر، تضع هذه الأزمة القنوات الدبلوماسية والمؤسسات المغربية أمام مسؤوليتها الوطنية والمؤسساتية حيال أبناء الجالية في الخارج.

إن حماية أرواح وكرامة المواطنين بالخارج هي أمانة مرتبطة بالسيادة الوطنية، مما يتطلب تحركا حازما ومواكبة قانونية وسياسية عن كثب لمجريات التحقيقات في إيطاليا.

إن اتخاذ موقف قوي يضمن ممارسة الضغط المشروعة وسلوك المساطر القضائية الكفيلة باسترداد الحقوق، هو السبيل الوحيد لتأكيد أن كرامة المغربي محصونة أينما حل وارتحل، وأن دولة الحق والقانون تنتصر لرعاياها في أوقات الشدة.

ستظل قضية عبد الرحيم فقير معركة مفصلية لا تقتصر على إنصاف فرد أو عائلة مكلومة فحسب، بل هي دفاع مبدئي عن حق كل مهاجر في الحياة والأمان، ورسالة زجر حاسمة ضد أي تجاوز في استعمال السلطة يرَى في الأجساد الأعزل هدافا مباحا للبطش.

إن تحقيق العدالة السريعة والكاملة في هذه النازلة هو المخرج الوحيد لتهدئة النفوس الغاضبة، ولتأكيد أن الروح البشرية تظل أعلى قيمة من أي اعتبار آخر.