حسم حمل القميص الوطني ليس قرار وفاء فقط… بل قصة هوية ومصالح وتكوين اجتماعي
جريدة النهضة: مقال رأي
يشكل ملف اللاعبين أصحاب الجنسية المزدوجة ومسألة ترددهم في اختيار المنتخب الذي سيمثلونه دوليا مادة دسمة للنقاش الجماهيري والإعلامي، غير أن مقاربة هذا الملف غالبا ما تسقط في فخ الأحكام السطحية والجاهزة التي تختزل المشهد في ثنائية “الوطنية” أو “الخيانة”.
إن تفكيك هذه الظاهرة يتطلب تجاوز العاطفة الجياشة والبدء في قراءتها من منظور سوسيولوجي ورياضي معقد يرتبط بالواقع اليومي والبيئة التي ينشأ فيها هؤلاء الشباب في بلدان الاغتراب.
بالنظر إلى المسار الاجتماعي لهؤلاء اللاعبين، نجد أنهم يولدون ويكبرون في مجتمعات أوروبية، ويقضون معظم ساعات يومهم خارج أسوار المنزل، بين المدارس، ومراكز التدريب، والاحتكاك اليومي بالفضاء العام والأصدقاء، بينما لا تصفى لهم سوى ساعات قليلة داخل البيت مع العائلة وثقافة بلد الأصل.
هذا الاندماج اليومي الطويل يفرض عليهم تشبعا عميقا لثقافة ومبادئ وعقلية المجتمعات الأجنبية، حتى تصبح هي المرجع الأساسي في تشكيل وعيهم وهويتهم.
من هذا المنطلق البنيوي، يبدو أن تفضيل اختيار تمثيل منتخب بلد الإقامة مسارا طبيعيا ومنطقيا بالنسبة للكثيرين منهم، خاصة من الناحية المهنية، حيث يرون فيه البوابة الأضمن لرفع قيمتهم التسويقية وتطوير مسارهم الاحترافي في أعلى المستويات.
وفي هذا السياق، يمكن فهم تأخر بعض اللاعبين في حسم قرارهم النهائي على أنه فترة ترقب لفرصة قد تأتي من المنتخب الأوروبي الذي ترعرعوا في منظومته الكروية، لعلمهم بما يتيحه هذا الاختيار من امتيازات تسويقية ورياضية هائلة.
وبناء على هذه المعطيات، يصبح اختيار تمثيل بلد الأصل، كالمغرب مثلا، لدى هذه الفئة بمثابة خطة بديلة أو خيار مهني ثان لإنقاذ المسار الدولي بعد انسداد الآفاق في البلد الأوروبي، وهو قرار براغماتي بامتياز يتأسس على لغة المصالح وضمانات اللعب كعنصر أساسي، بعيدا عن أي ارتباط وجداني أو عاطفي محض.
وفي المقابل، يبرز دائما ذلك الاستثناء المتمثل في فئة من اللاعبين الذين يحسمون اختيارهم لبلد الأصل من اليوم الأول دون تردد، ويظهرون قتالية وروحا عالية في الدفاع عن قميصه.
ويكمن التفسير السوسيولوجي لهذه الحالة في طبيعة التجارب الاجتماعية القاسية التي عاشها هؤلاء في صغرهم داخل دول المهجر، حيث واجهوا مظاهر التهميش، والإقصاء، أو التمييز العنصري.
بالنسبة لهذه الفئة، يتحول حمل قميص الوطن الأم إلى منصة لرد الاعتبار، وإثبات الذات، وشكل من أشكال “الانتقام الاجتماعي” المشروع من مجتمع رفض استيعابهم بالكامل.
هذه الرغبة القوية في إثبات الهوية تتجلى على أرضية الملعب في شكل أداء قتالي وروح تنافسية عالية. ويتضح أن اختيارات هؤلاء اللاعبين، بمختلف توجهاتها، ليست مجرد نزوات عابرة، بل هي نتاج حتمي للبيئة الاجتماعية والمسارات النفسية والمهنية التي يمرون منها، وهو ما يستدعي تبني نظرة عقلانية وتحليل رصين يبتعد عن التشنج وإطلاق الأحكام المتسرعة.
