مشروع المحطة الثالثة لتحلية مياه البحر بالعيون.. رؤية استراتيجية لتعزيز الأمن المائي في أفق 2050
جريدة النهضة: العيون
تتجه مدينة العيون نحو تعزيز سيادتها المائية ودخول مرحلة مفصلية في تدبير مواردها غير التقليدية، من خلال شروع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في إعداد الدراسات التقنية لإنجاز محطة ثالثة لتحلية مياه البحر.
ويندرج هذا المشروع الاستراتيجي ضمن رؤية بعيدة المدى تهدف إلى مضاعفة القدرات الإنتاجية للمدينة ثلاث مرات لتصل إلى 900 لتر في الثانية بحلول عام 2050، وهو ما يشكل استجابة استباقية لمواجهة الإجهاد المائي الحاد وتقليص الاعتماد على الفرشات الجوفية التي استنزفت لعقود.
ويأتي هذا التوجه في ظل وضعية “مقلقة” كشفتها التقارير التقنية، حيث تواجه فرشة “فم الواد” تراجعا تدريجيا في قدراتها الإنتاجية، مما جعل من خيار التحلية ضرورة بنيوية لتأمين التزويد بالماء الشروب ليس فقط لمدينة العيون، بل للمراكز الحيوية المجاورة كفم الواد والمرسى وقرية الصيد “تارومة”، ومواكب طفرة النمو الديمغرافي والاقتصادي التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويتميز المشروع الجديد بقطيعة تقنية مع الأساليب التقليدية، إذ سيعتمد لأول مرة في المنطقة على نظام “مأخذ مباشر” لمياه البحر بدل الآبار الساحلية، مع توظيف تكنولوجيا “التناضح العكسي” التي تضمن كفاءة عالية في الإنتاج واستهلاكا أقل للطاقة.
ولا تقتصر الرؤية الهندسية للمحطة على التحلية فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة معالجة قبلية متطورة، ومحطات ضخ حديثة، وقناة جر رئيسية بطول 10 كيلومترات تربط المنشأة بخزان “كارفور” الاستراتيجي.
كما يولي المشروع أهمية قصوى للبعد البيئي عبر تقنيات متقدمة لتصريف المياه شديدة الملوحة وحماية البنية التحتية من زحف الرمال والتآكل الملح، مع دمج الأنظمة الرقمية الذكية للتسيير عن بعد عبر الألياف البصرية، مما يسمح بمراقبة الشبكة في الزمن الحقيقي وضمان استدامة التزويد في أصعب الظروف المناخية.
إن هذا الورش الضخم يتجاوز كونه استجابة تقنية لأزمة العطش، ليصبح ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية التي يقودها المغرب لرفع قدرات التحلية من 420 مليون متر مكعب حاليا إلى 1.7 مليار متر مكعب مستقبلا.
ومن خلال هذا المشروع، تكرس الدولة المغربية مدينة العيون كقطب اقتصادي عالمي في قلب الصحراء، قادر على جذب الاستثمارات الكبرى في مجالات الموانئ والطاقات المتجددة والصيد البحري، عبر توفير أرضية مائية صلبة ومستقرة.
وبهذا، يخطو المغرب خطوة سيادية نحو إعادة رسم الخريطة المائية الوطنية، محولا التحديات المناخية الجافة إلى فرص للتنمية المستدامة القائمة على الابتكار التكنولوجي والهندسة المائية الكبرى لتأمين مستقبل الأجيال القادمة حتى منتصف القرن الحالي.

