انتخابات شتنبر.. سباق الوعود المالية يشتعل.. دعم للزواج ورفع للمعاشات وإعفاءات ضريبية.. فمن سيدفع الفاتورة؟
جريدة النهضــة – هيئة التحريــر والنشــر
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يكتشف المغاربة أن الخطاب الحزبي تغير جذريا عن سابقاته، لم تعد الشعارات عن التنمية والازدهار كافية لإقناع الناخب، بل حلت محلها أرقام نقدية صريحة ومباشرة، وكأن الأحزاب اكتشفت أخيرا أن أقصر الطرق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر جيب المواطن.
استقرت الأحزاب السياسية هذه المرة على لغة الأرقام الصريحة، حزب الاستقلال يعد الشباب المقبلين على الزواج بدعم يصل إلى 5000 درهم، حزب التقدم والاشتراكية يطرح رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 3000 درهم، إلى جانب شيك للتمدرس بقيمة 1000 درهم، أما حزب الأصالة والمعاصرة فقد جمع بين عدة عروض دفعة واحدة: إلغاء الضريبة على الأجور التي تقل عن 12500 درهم، وتخفيضها إلى 10% و20% في شرائح أخرى، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم.
وفي المشهد نفسه، يظهر حزب آخر يقترح منحة سنوية للترفيه لفائدة الشباب بقيمة 6000 درهم. كل هذا يبدو، للوهلة الأولى، جذابا ومطمئنا. لكن السؤال الذي يتهرب منه الجميع، والذي يفترض أن يكون في صلب أي نقاش انتخابي جاد، هو: من سيدفع الفاتورة؟
الإجابة عن هذا السؤال تمر إلزاميا عبر أرقام الميزانية العامة. تتوقع ميزانية المغرب لسنة 2026 نحو 376.08 مليار درهم من الإيرادات الضريبية، منها 165.69 مليار درهم من الضرائب المباشرة التي تشمل الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل.
وحدها الضريبة على الدخل كانت متوقعة في حدود 61 مليار درهم سنة 2025، أي أنها ليست بندا هامشيا يمكن التلاعب به أو التنازل عنه بجرة قلم كما توحي بعض الوعود.
فحين يتحدث حزب عن إلغاء الضريبة على شريحة واسعة من الأجور وتخفيضها على شرائح أخرى، فهو في الحقيقة يتحدث عن التخلي عن جزء مباشر من موارد الدولة. وهذا التنازل، إن تحقق، يجب أن يعوض من مكان آخر، لأن الميزانية ليست مستودعا لا ينضب.
المفارقة أن الحكومة المقبلة، أيا كانت هويتها، لن تملك رفاهية التفرغ لتوزيع المنح والدعم فقط. فهي ستجد نفسها في قلب استحقاق كبير هو تنظيم كأس العالم، بما يرافقه من أوراش ضخمة في الملاعب والطرق والمطارات والسكك الحديدية والموانئ.
وتؤكد ميزانية 2026 هذا التوجه بوضوح، إذ رصدت نحو 380 مليار درهم للاستثمار العمومي، مع تسريع وتيرة مشاريع النقل والسكك والمطارات والموانئ، إضافة إلى 16.4 مليار درهم مخصصة لقطاع الماء وبرنامج بناء وتجهيز السدود. هذه أرقام ضخمة، ملتزم بها سلفا، ولا مجال للتراجع عنها أو تأجيلها.
فوق هذا كله، لا تزال هناك التزامات الدولة الاجتماعية التي لا يمكن لأي حكومة أن تتنصل منها: الدعم الاجتماعي المباشر، الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، دعم السكن، والمعاشات.
وهي التزامات قائمة، مستمرة، ومتنامية بطبيعتها، وليست وعودا انتخابية موسمية، بل إن مذكرة إعداد ميزانية 2027 نفسها تتحدث صراحة عن ضرورة ترشيد وعقلنة النفقات وتعزيز موارد الدولة، وعن ضرورة التوفيق بين الطموحات التنموية والإمكانات المالية المتاحة والحفاظ على استدامة التوازنات المالية.
بعبارة أخرى، الجهة نفسها التي تعد الميزانية تقر بأن هامش المناورة المالي محدود، بينما تتوسع الأحزاب في وعودها وكأن هذا الهامش لا نهاية له.
أمام هذه المعادلة، لا يبقى أمام أي حزب سيفي بوعوده سوى مسارين اثنين: إما تقليص نفقات أخرى، وهو حل يعني عمليا اقتطاعا من قطاع لصالح آخر، ما قد يفاقم أزمات قائمة أصلا في الصحة أو التعليم أو الاستثمار العمومي.
وإما اللجوء إلى الاقتراض، وهو خيار يعني ترحيل الفاتورة إلى الأجيال المقبلة ورهن جزء من القرار المالي للبلاد لسنوات قادمة.
وبين هذين الخيارين، لا نكاد نسمع من الأحزاب صاحبة الوعود السخية أي تفصيل واضح. المواطن لا يطلب أرقاما إضافية، بل يريد أن يعرف الحساب والطريقة، لا الأرقام والكلام فقط.
هذا المشهد ليس جديدا كليا على الناخب المغربي، ففي انتخابات 2021، دخلت الوعود المالية المباشرة بقوة إلى الخطاب الانتخابي، وكلنا نتذكر عبارة “جريو علينا بالحجر” التي رافقت تلك الحملة.
يبدو أن الأحزاب استخلصت الدرس جيدا، المواطن يحب سماع الأرقام، حتى وإن كان سماعا دون لمس فعلي لتلك الأرقام في جيبه. 5000 درهم للزواج، 3000 درهم للمعاش، 1000 درهم للدعم، 1000 درهم للتمدرس، 6000 درهم لترفيه الشباب، وضريبة تنخفض إلى الصفر… تتحول الانتخابات، شيئا فشيئا، إلى سوق تعرض فيه الأرقام والمبالغ، بدل أن تكون منافسة بين رؤى ومشاريع لتدبير الشأن العام.
المواطن المغربي، وإن لم يكن خبيرا في المالية العامة، يدرك بالحدس والتجربة معادلة بسيطة: إذا خفضت الدولة الضريبة على الدخل، فهي تتنازل عن جزء من مواردها. وإذا رفعت الدعم والمعاشات، فهي تزيد من نفقاتها. وإذا أنفقت مئات المليارات على الاستثمار والبنية التحتية، فهي تحتاج إلى تمويل يوازي هذا الإنفاق.
وإذا أرادت، في الوقت نفسه، خفض عجز الميزانية والمديونية، فإن المعادلة تصبح أكثر تعقيدا لا أقل. لذلك، فإن المطلوب من الأحزاب اليوم ليس التنافس في سخاء الأرقام، بل الإجابة بوضوح عن أسئلة أكثر جوهرية: ما القطاعات المنتجة التي ستحدثها هذه الوعود؟ وما حجم الاستثمار اللازم لتحقيقها؟ وما معدل النمو الضروري لتمويلها دون المساس بالتوازنات؟ كم ستكلف كل هذه الوعود خزينة الدولة فعليا؟ ومن أين ستأتي الأموال بالضبط؟
لأن الانتخابات، في جوهرها، ليست مزادا يفوز فيه من يعرض الرقم الأعلى، بل يفترض أن تكون منافسة بين مشاريع لتدبير مال المغاربة وثرواتهم المشتركة.
وأسهل شيء في الخطاب السياسي أن يقول الحزب لناخبيه: «سنعطيكم». أما أصعب شيء، وأكثرها نبلا ومسؤولية، فهو أن يجلس الحزب أمام المواطن ويشرح له بصدق: “وهكذا بالضبط سنمول ما وعدناكم به”. إلى أن يحدث ذلك، ستبقى وعود شتنبر المالية معلقة بين سقف الطموح وأرضية الأرقام، وسيبقى السؤال الأهم بلا جواب واضح: من سيدفع الثمن، وكيف؟
