فراغ البرامج في انتخابات 23 شتنبر.. هل تحتضر السياسة بالمغرب أم تتغير ملامحها؟
جريدة النهضــة – هيئة التحرير والنشــر
مع اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب، المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، تدخل الاستحقاقات التشريعية مرحلة حاسمة، بالتزامن مع استكمال الترتيبات المرتبطة بإيداع الترشيحات والحملة الانتخابية. وسينطلق الإيداع الإلكتروني للترشيحات يوم الاثنين 31 غشت، على أن يستمر إلى غاية 8 شتنبر، فيما تبدأ الحملة الانتخابية رسميا في الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر، وتستمر إلى منتصف ليل الثلاثاء 22 شتنبر.
غير أن الاقتراب من موعد الانتخابات لا يواكبه، في الشارع أو على منصات الأحزاب، زخم فكري وبرنامجي مماثل لحجم الاستحقاق، وهو ما يطرح علامات استفهام حول واقع الممارسة الحزبية ومستقبل السياسة في المغرب.
وتأتي هذه الانتخابات، وفق قراءات سياسية وأكاديمية، في سياق مفصلي، باعتبارها تشكل اختبارا لقدرة الفاعلين السياسيين على التفاعل مع ملفات استراتيجية، من بينها التنزيل المؤسساتي لمبادرة الحكم الذاتي، والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية، إلى جانب تحديات الأمن الغذائي والطاقي.
كما يشكل الخطاب الملكي الأخير مرجعية أساسية في النقاش السياسي، إذ بدأت عدد من الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، في تكييف تصوراتها وبرامجها مع مضامين التوجيهات الملكية. غير أن هذا الثقل المرتبط بالرهانات الوطنية الكبرى لا يبدو، بحسب متابعين، منعكسا بالقدر نفسه على الخطاب الحزبي اليومي الموجه إلى الناخبين.
هذا الإحساس بوجود فراغ برامجي، الذي عبر عنه عدد من المغاربة على منصات التواصل الاجتماعي، يجد ما يعضده في قراءات أكاديمية وسياسية لتجارب انتخابية سابقة. ويرى محللون أن التنافس الانتخابي لم يكن، في كثير من الحالات، قائما على البرامج والخيارات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بقدر ما تحول إلى صراع شخصي بين المرشحين، الأمر الذي حرم الناخب من فرصة حقيقية للتعرف على البدائل التي تقترحها الأحزاب والقوى السياسية.
ويذهب محللون آخرون إلى أن اللحظة الانتخابية تكشف عن أزمة أعمق داخل المشهد الحزبي، تتمثل في تحول بعض التنظيمات إلى ما يمكن وصفه بـ”الأحزاب الانتخابية”، أي تنظيمات تستعيد نشاطها بشكل مكثف مع اقتراب موعد الاقتراع، بدل أن تكون فاعلا سياسيا حاضرا بشكل يومي في المجتمع، يؤطر المواطنين ويقترح الحلول والبدائل.
ولا تبدو الصورة على المستوى الترابي أكثر إشراقا، إذ يلاحظ باحثون في العلوم السياسية أن الحياة الحزبية المحلية لا تزال تعاني من الجمود، فيما تظل مقرات عدد من الأحزاب في الأقاليم محدودة الحضور والتفاعل مع المواطنين.
وفي ظل هذا الفراغ، تتحول أحيانا قضايا جزئية، مثل تغيير أسماء الشوارع أو النقاش حول الساعة الإضافية، إلى مادة انتخابية، في وقت تتراجع فيه الأسئلة الكبرى المرتبطة بالتنمية والتشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية إلى الخلفية.
ولم يعد العزوف عن المشاركة الانتخابية يقرأ فقط باعتباره مؤشرا إحصائيا يثير قلق السلطات والأحزاب، بل أصبح لدى بعض الباحثين والمتابعين موقفا سياسيا بحد ذاته. فالصمت الانتخابي، وفق هذه القراءة، قد يعكس حالة من الإحباط وتآكل الثقة في جدوى المشاركة السياسية، وليس فقط ضعف التواصل الحزبي أو غياب الحماس لدى فئات الشباب.
ويربط تحليل آخر بين ضعف الاستقطاب الإيديولوجي وتراجع حضور المعارضة، وبين هيمنة منطق التوافق على المشهد الحزبي، معتبرا أن استمرار هذه الوضعية قد يجعل الانتخابات مهددة بفقدان جزء من معناها السياسي، ما لم تحدث تحولات مفاجئة في المزاج العام.
ومع ذلك، لا يمكن وضع جميع الأحزاب في الخانة نفسها. فحزب التقدم والاشتراكية، على سبيل المثال، يقدم خطابا إصلاحيا يركز على قضايا من قبيل إصلاح المنظومة الانتخابية وتعزيز المشاركة المواطنة، غير أن حضوره الانتخابي يظل محدودا مقارنة بحجمه وتأثيره على مستوى النقاش الفكري والسياسي.
وهنا تبرز إحدى مفارقات المشهد الحزبي المغربي، أحزاب قد تمتلك تصورات وأفكارا واضحة، لكنها لا تتوفر بالضرورة على الوزن الانتخابي الكافي لتحويلها إلى سياسات عمومية، في مقابل أحزاب أخرى تتمتع بقدرة أكبر على حصد الأصوات دون أن يكون خطابها البرنامجي بالوضوح نفسه.
وفي الخلفية، عاد النقاش حول جدوى المشاركة السياسية إلى الواجهة، وإن بحذر، في ظل تمسك مختلف الأحزاب، رسميا، بخيار المشاركة في الانتخابات. في المقابل، تصاعدت أصوات حقوقية ومدنية تدعو النخب السياسية إلى الارتقاء إلى مستوى انتظارات المواطنين، ولا سيما الفئات الهشة، والعمل على إحداث فارق حقيقي بين منطق النفوذ الاقتصادي ومنطق العمل السياسي القائم على البرامج والقناعات.
وتبقى المقاطعة حاضرة في النقاش العمومي، وإن لم تتحول إلى خيار تنظيمي وسياسي واضح لدى مختلف القوى التي تدعو إليها أو تتبناها.
ومع دخول العملية الانتخابية مراحلها الحاسمة، ستكشف الأيام المقبلة بشكل أوضح طبيعة التحالفات الانتخابية وخريطة الترشيحات، بعد أشهر من المشاورات السياسية والحزبية. كما أن الحملة الانتخابية، الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر، تضع الأحزاب أمام فترة زمنية قصيرة لإقناع الناخبين، وهو ما قد يعزز، بحسب متابعين، حضور الخطاب الدعائي والشخصاني على حساب النقاش البرامجي العميق.
وفي ظل الجدل المتزايد حول العزوف والمقاطعة، ستكون نسبة المشاركة يوم 23 شتنبر أكثر من مجرد رقم إحصائي، إذ قد تتحول إلى مؤشر سياسي على مستوى الثقة في المؤسسات والأحزاب ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على تعبئة المواطنين.
كما قد تفرز التحالفات التي ستتشكل قبل الانتخابات أو بعدها خريطة برلمانية مختلفة عن تركيبة الحكومة الحالية، وإن كان استمرار منطق التوافق والتحالفات التقليدية يظل، في نظر عدد من المتابعين، احتمالا قائما.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب موعد الاقتراع: هل دخلت السياسة في المغرب فعلا مرحلة “عطلة”، أم أنها تعيش تحولا في أدواتها وخطابها لم تستوعبه بعد الأحزاب التقليدية والناخبون معا؟
الجواب الحاسم لن يقرأ فقط في تصريحات المرشحين أو في شعارات الحملات الانتخابية، وإنما في حجم المشاركة، وفي طبيعة الاختيارات التي سيعبر عنها الناخبون، وفي شكل التحالفات السياسية التي ستتبلور بعد 23 شتنبر.
