موسم الانتخابات وموسم المعجزات.. صورة واحدة تختصر خمس سنوات من الغياب
جريدة النهضــة – هيئة النشــر والتحريــر
مع اقتراب كل موسم انتخابي، تتسابق الوعود وتتضخم الأرقام في الخطاب السياسي، حتى وصل سقف الوعود هذه المرة إلى رفع “السميك” (الحد الأدنى للأجور) إلى 5000 درهم، وربما يتجاوزه المرشحون في الأيام المقبلة، فيما يبقى الكثير من هذا الكلام مجرد شعارات انتخابية لا تتجاوز حدود الخطاب.
وبعيدا عن وعود المال، توجد بالمغرب مناطق نائية يصفها البعض بالمغرب العميق، أي المناطق النائية والمهمشة التي لا تصلها الخدمات الأساسية بسهولة. فهي مناطق يكفي فيها بضع صور لتلخيص واقعها الصعب، إذ تحتاج المسافة الفاصلة بينها وبين أبسط مظاهر الحياة العصرية إلى تحديد دقيق للموقع الجغرافي (GPS)، وسيارة رباعية الدفع قادرة على السير في الطرق الوعرة.
في هذه المناطق، لا حديث عن مشاريع نموذجية أو رؤى استراتيجية كما يروج له سياسيا، بل عن واقع يومي صعب: غياب سيارات الإسعاف، وغياب المستوصفات (المراكز الصحية الأولية)، وغياب وسائل النقل المنتظمة نحو مركز المدينة. حتى سور المدرسة يبنى عبر “التضامن”، وهي عادة مغربية أصيلة تقوم على التعاون الجماعي التطوعي بين السكان لإنجاز عمل مشترك دون مقابل.
أما الماء الصالح للشرب، فقد وصل إلى بعض الدواوير (القرى الصغيرة) بفضل تمويل جمعيات محلية يدعمها أبناء المنطقة والمهاجرون منها والتجار. وحتى الطريق التي خففت جزءا من عزلة السكان، لم تكن ثمرة مشروع حكومي، بل ثمرة تمويل ذاتي من أبناء الدوار والمهاجرين.
أما الكتلة الانتخابية في هذه المنطقة، وهي من أكبر الكتل الانتخابية على مستوى الإقليم، فأغلب الناخبين فيها من العمال المياومين (الذين يعملون بأجر يومي غير ثابت) في الضيعات الفلاحية، حيث لا يتجاوز أجر اليوم الواحد 100 درهم، مبلغ قد يكفي بالكاد لتغطية مصاريف يوم عمل، لكنه غالبا لا يكفي حتى لثمن التنقل نحو مستشفى أو مركز للشرطة أو مقر إداري.
في هذا السياق، يتحول الساكن إلى مجرد رقم انتخابي أكثر من كونه مواطنا كامل الحقوق: ضحية للتقطيع الإداري غير المنصف، وضحية لخطاب انتخابي موسمي لا يصمد بعد صناديق الاقتراع، وضحية لحكومة قادرة على الوصول إليه بسهولة يوم التصويت، لكنه يفقد أثره تماما بعد إعلان النتائج.
مرت سنوات طويلة من التصويت والانتظار، دون مستوصف، ولا سيارة إسعاف، ولا وسائل نقل، ولا خدمات أساسية تذكر. وهذا الأسبوع، وصل ما يشبه الإنجاز التاريخي في نظر البعض: صورة جماعية مع أحد المرشحين أو المسؤولين الذين لم يسبق أن تحدثوا باسم هذه الساكنة، تجمع ابتسامات عريضة وأكتافا متلاصقة، توحي وكأن المنطقة حصلت للتو على أكبر مشروع تنموي في تاريخها.
وهو إنجاز لا يحتاج إلى ميزانية، ولا إلى دراسة جدوى، ولا حتى إلى طريق معبدة، يكفي فيه هاتف وكاميرا: فغياب المستشفى يختصر في صورة، وغياب سيارة الإسعاف يختصر في صورة، وغياب وسائل النقل والماء والطرق يختصر كذلك في صور. وحين لا تكون هناك أي حصيلة عمل حقيقية تقدم للسكان، تكفي ابتسامة أعرض وصورة أقرب لتلخيص خمس سنوات كاملة من الغياب في ثوان معدودة أمام عدسة الكاميرا.
ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه: المسؤول يعود إلى مكتبه إن كان له مكتب أصلا، والمنطقة تعود إلى عزلتها، والسكان يعودون إلى مياومتهم اليومية الشاقة، فيما تبقى الوعود مؤجلة إلى موسمها الانتخابي المقبل… إلى حين موعد الصورة القادمة.
