جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

المنصوري يقود الحضور المغربي في بنغازي.. تحرك استخباراتي يعزز موقع الرباط في معادلة الأمن الإقليمي

جريدة النهضــة

احتضنت مدينة بنغازي الليبية اجتماعا استخباراتيا رفيع المستوى، اعتبره متابعون مؤشرا على الدور المتنامي للدبلوماسية الأمنية في ضبط التوازنات بشمال إفريقيا والساحل، وسط تهديدات عابرة للحدود وتعدد مراكز النفوذ وحاجة متزايدة إلى آليات جماعية لمواجهة المخاطر.

وبرز الحضور المغربي في صدارة المشهد، بقيادة محمد ياسين المنصوري، المدير العام للدراسات والتوثيق، إذ ساهم جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي في تنظيم اللقاء إلى جانب نظيره الليبي، وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.

وشارك في الاجتماع 43 وفدا أمنيا واستخباراتيا، بينها أكثر من عشرين رئيس جهاز مخابرات، فيما تولى المنصوري الرئاسة المشتركة للقاء مع رئيس جهاز المخابرات الليبية حسين العائب، ما يعكس مستوى انخراط الرباط في تأطير هذا الحوار الأمني متعدد الأطراف.

ويأتي هذا التحرك في سياق تحولات يعرفها المجال الممتد من ليبيا إلى الساحل والصحراء، حيث تتداخل أنشطة التنظيمات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والاتجار غير المشروع، في ظل هشاشة بعض البنيات الأمنية وصعوبة مراقبة الحدود الصحراوية. وهي تحديات تفوق قدرة أي دولة على معالجتها منفردة، وتفرض تعزيز تبادل تقييمات المخاطر وتطوير قدرات الإنذار المبكر.

ولا يبدو هذا الدور وليد اللحظة، فهو يستند إلى شبكة تعاون راكمتها المؤسسات الأمنية المغربية، وإلى مبادرات إقليمية ساهمت المملكة في إطلاقها، في مقدمتها «منصة مراكش» التي انطلقت سنة 2022 بشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.

وتعكس هذه المسارات انتقال التعاون الاستخباراتي من تبادل ثنائي للمعلومات إلى فضاءات أوسع لتقريب التقديرات الأمنية وبناء القدرات المؤسساتية، دون المساس باستقلالية القرار الأمني للدول المشاركة.

وللموقع الجغرافي لاجتماع بنغازي دلالته الخاصة، إذ يشكل شرق ليبيا نقطة تقاطع لمصالح عسكرية وأمنية لقوى إقليمية ودولية، ويتأثر فيه ضبط الحدود واستعادة الاستقرار باستمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وفي هذا الإطار، يعزز الانخراط المغربي قنوات التواصل مع المؤسسات في الشرق الليبي، بما ينسجم مع موقف المملكة الداعم لوحدة الدولة الليبية وسيادتها وللتسوية السياسية للأزمة.

ويستحضر المراقبون في هذا الصدد الزيارة العسكرية التي قام بها خالد حفتر إلى المغرب بين 11 و15 أكتوبر 2026، والتي شملت لقاءات مع مسؤولين عسكريين مغاربة واطلاعا على قدرات التكوين والتدريب.

ويشير التقارب الزمني بين الزيارة واجتماع بنغازي إلى اتساع قنوات الاتصال المؤسساتي مع الشرق الليبي عبر مسارين، عسكري واستخباراتي، غير أن المعطيات المعلنة لا تثبت وجود ترتيبات عملياتية مشتركة أو اتفاق أمني جديد.

وتندرج مشاركة المنصوري الشخصية في رئاسة الاجتماع ضمن المهام التي تضطلع بها المديرية العامة للدراسات والتوثيق، من تقدير المخاطر الخارجية وتطوير العلاقات مع الأجهزة النظيرة إلى حماية المصالح العليا للمملكة.

كما تدل على الرصيد الذي بناه الجهاز المغربي داخل شبكات التعاون الدولي، وعلى قدرته على الإسهام في تأطير نقاش أمني في فضاء تتعدد فيه المصالح ومراكز القوة.

ويرى متابعون أن القيمة الاستراتيجية لمثل هذه المشاركات لا تقاس بحجم الحضور الإعلامي، بل بقدرة المؤسسات على نسج علاقات مهنية مستدامة وتحسين تبادل المعلومات وتطوير فهم مشترك للتهديدات. أما التقييم الدقيق للنتائج العملياتية فيبقى رهينا بمخرجات هذا التعاون وآليات تفعيله واستمراريته.

وفي المحصلة، يعكس اجتماع بنغازي اتساع الحضور المغربي في هندسة التعاون الأمني بالمنطقة، عبر مقاربة متعددة المستويات تجمع بين الدبلوماسية السياسية والتواصل العسكري والعمل الاستخباراتي.

فالمكانة الاستراتيجية للدول في معادلات القوة المعاصرة لم تعد تقاس بمواجهة التهديدات داخل حدودها فحسب، بل أيضا بالإسهام في تنظيم التعاون الجماعي لمواجهتها خارجها، وهو الرهان الذي يبدو أن المغرب يمضي فيه، محولا الخبرة الاستخباراتية إلى رصيد مؤسساتي يخدم مصالحه الوطنية ويعزز استقرار محيطه الجيوسياسي

error: Content is protected !!