مالية 2027.. حزمة اجتماعية طموحة تنتظر اختبار التنفيذ والاستدامة
جريدة النهضــة – مشكات رضــوان
كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن أبرز مضامين مشروع قانون المالية لسنة 2027، وفي مقدمتها تخفيف الضريبة على الدخل ورفع معاشات التقاعد والدعم الاجتماعي المباشر. وقد جاء العرض أمام البرلمان في سياق اجتماعي يتسم بانتظارات كبيرة من الأسر المغربية، التي ما فتئت تشكو من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
في الشق الضريبي، يقترح المشروع إعفاء الأجور الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم شهريا من الضريبة على الدخل ابتداء من فاتح يناير 2027، وهو ما تقدمه الحكومة على أنه سيشمل نحو 87 في المائة من الأجراء.
كما يتضمن الإصلاح تقليص عدد الشرائح الضريبية من خمس إلى ثلاث، بمعدلات 10 و20 و30 في المائة، وخفض المعدل الهامشي المطبق على الشريحة الأخيرة من 37 إلى 30 في المائة. وتبرر الحكومة هذا التوجه بالسعي إلى تبسيط المنظومة الضريبية وتخفيف العبء عن الدخول المتوسطة والصغيرة.
ولا يمكن قراءة هذا الإصلاح بمعزل عن مسار سابق. ففي قانون المالية لسنة 2025، جرى رفع الشريحة المعفاة من الضريبة على الدخل من 30 ألف إلى 40 ألف درهم سنويا، بما أتاح إعفاء الدخول التي تقل عن 6 آلاف درهم شهريا، مع خفض السعر الهامشي من 38 إلى 37 في المائة. وهكذا يبدو مشروع 2027 امتدادا لورش الإصلاح الجبائي، لكن بسقف إعفاء أعلى وتبسيط أوسع للجدول.
أما في الجانب الاجتماعي، فيقترح المشروع رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 1700 درهم شهريا ابتداء من يناير 2027، في أفق بلوغ 3000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية.
وأوضح الوزير أن المرحلة الأولى تستهدف نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، بينهم أكثر من 150 ألف أرملة، فيما يشمل الإجراء الثاني مضاعفة معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة.
وتقدر الكلفة الإجمالية لهذين الإجراءين بنحو 10 مليارات درهم، لتصل كلفة الحزمة كاملة، مع شقها الضريبي، إلى أزيد من 15.5 مليار درهم. ويندرج ذلك ضمن إجراءات أخرى لدعم القدرة الشرائية، منها رصد 19.4 مليار درهم لدعم المقاصة، والرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم.
غير أن قراءة متأنية للمشروع تفرض الانتباه إلى عنصر الزمن. فالمكاسب المعلنة لا تمنح دفعة واحدة، إذ يرتقب تنزيل الإصلاح الضريبي تدريجيا على مدى خمس سنوات، بين 2027 و2031، بالتوازي مع توسيع الوعاء الضريبي وتعزيز مكافحة التهرب الضريبي.
كما أن الصيغة المقترحة تتضمن جدولا ضريبيا انتقاليا لسنة 2027، مع توسيع الشرائح المستفيدة من الأسعار المخفضة تدريجيا خلال السنوات اللاحقة، ما يعني أن الأثر النهائي سيختلف بحسب مستوى الدخل والسنة المعنية. وبلوغ معاش أدنى قدره 3000 درهم يظل بدوره هدفا مرتبطا بنهاية الولاية الحكومية، لا التزاما فوريا.
ويرى مؤيدو المشروع أنه يعكس توجها نحو ترسيخ الدولة الاجتماعية، ويعالج اختلالا ظل قائما بين مستوى المعاشات الدنيا وكلفة العيش، ويمنح الأجراء والطبقة المتوسطة متنفسا ماليا في ظرفية تضخمية.
في المقابل، يطرح متابعون أسئلة مشروعة حول مصادر تمويل هذه الالتزامات على المدى المتوسط، وحول قدرة صناديق التقاعد على تحمل الزيادات المبرمجة، وحول مدى نجاح الحكومة في توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب لتعويض الموارد التي سيتخلى عنها الجدول الجديد.
كما يتساءل آخرون عن مدى انعكاس هذه التدابير على الفئات غير المشمولة بالضريبة أصلا، أو العاملة في القطاع غير المهيكل. وقد لخصت قراءات صحافية الرهان بالقول إن الاختبار الحقيقي لمشروع قانون المالية يكمن في قدرة تدابيره على تقليص الفوارق الاجتماعية وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين وتوسيع فرص الشغل، لا في عدد الإجراءات أو قوة الأرقام.
ويبقى أن هذه التدابير لا تزال مشروعا معروضا على البرلمان، وهي مرتبطة بالمصادقة النهائية على نص القانون. وبين طموح الإعلان وصرامة التنفيذ، سيكون على الحكومة أن تثبت، في الأشهر والسنوات المقبلة، أن الحزمة الاجتماعية الأضخم في هذه المرحلة قادرة على تحويل الأرقام إلى تحسن ملموس في معيشة المواطنين، دون الإخلال بالتوازنات المالية. وهو رهان يستدعي نقاشا برلمانيا جادا ومتابعة صحافية ومجتمعية تقيس الأثر الفعلي لا الأثر الإعلاني فقط.
