جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

رهان الجهوية المتقدمة.. كيف يعيد القانون الجديد صياغة نفوذ الجهات ويرسم معالم التدبير الترابي بالمغرب؟

جريدة النهضة

في مشهد سياسي يجسد رغبة الدولة في تسريع وتيرة الانتقال نحو نظام تدبيري أكثر مرونة، يبرز مشروع القانون التنظيمي الجديد المتعلق بالجهات كإعصار تشريعي يعيد ترتيب أوراق السلطة والثروة فوق الخارطة الترابية للمملكة.

هذا التحول، الذي حظي بمباركة المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس، لا يشكل مجرد تحديث تقني للنصوص القانونية، بل يمثل إعادة صياغة جذرية لعقد التدبير المحلي، واضعا الجهة في قلب المحرك الاقتصادي الوطني بدل بقائها حبيسة الأدوار الإدارية التقليدية.

تتجه الفلسفة الجديدة لهذا المشروع نحو إنهاء حقبة الانتظارية التي طبعت علاقة الجهات بالمركز، حيث يتم الدفع نحو توسيع الاختصاصات المشتركة وفتح آفاق الاستثمار المنتج أمام المجالس الجهوية.

ومع ذلك، فإن هذا الطموح يثير تساؤلات عميقة لدى المراقبين حول طبيعة التوازن القادم، فبينما يرى البعض في المشروع تعزيزا للاستقلالية، يخشى آخرون أن يكون آلية متطورة لإعادة ضبط إيقاع الجهات تحت سقف رقابة مركزية بآليات حديثة، مما يضع مفهوم اللامركزية الفعلية أمام اختبار حقيقي لم يسبق له مثيل منذ انطلاق تجربة الجهوية المتقدمة.

ولعل السمة الأبرز والأكثر إثارة للجدل في هذا الإصلاح هي التوجه نحو مأسسة النجاعة عبر تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة.

هذا الانعطاف نحو منطق المقاولة في تدبير الشأن العام يهدف إلى تجاوز البيروقراطية القاتلة وضمان سرعة الإنجاز، لكنه في الوقت ذاته يفتح جبهة نقاش وطني حول مخاطر تجارية المرفق العمومي.

فالتوفيق بين منطق الربحية والفعالية الاقتصادية وبين الالتزامات الاجتماعية للدولة تجاه الفئات الهشة والمناطق المعزولة، يظل التحدي الأكبر الذي سيواجه مدبري الشأن الجهوي في الصيغة القادمة.

أما في لغة الأرقام، فإن الدولة تراهن على ضخ سيولة سياسية في عروق الجهات عبر الرفع من مواردها المالية بنسبة تصل إلى 20 في المائة، مع التزام بتحويلات سنوية قارة لا تقل عن 12 مليار درهم بحلول عام 2027، ناهيك عن تمكين الجهات من حصص ضريبية مهمة.

هذه الطفرة المالية المفترضة ليست شيكا على بياض، بل هي جسر نحو تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث ستكون المجالس الجهوية مطالبة بإثبات قدرتها على تحويل هذه المليارات إلى تنمية ملموسة تقلص الفوارق الصارخة بين مغرب المدن الكبرى ومغرب الهوامش.

ومع اقتراب عرض هذا المشروع على طاولة البرلمان بمجلسيه،النواب والمستشارين، يتوقع أن يشهد النقاش السياسي، تتركز أساسا حول حدود استقلالية القرار الجهوي أمام سلطة الوصاية.

فالمغرب يقف اليوم في لحظة فارقة، بين نصوص قانونية تتسم بالجرأة والطموح، وواقع ميداني يتطلب أكثر من مجرد تشريعات، يتطلب ثقافة سياسية جديدة قادرة على تحويل الجهوية من مجرد شعار دستوري إلى رافعة حقيقية تقود قاطرة التنمية في بلد يطمح إلى حجز مكانة متميزة في نادي القوى الصاعدة.