في قلب المفارقة الاقتصادية بالمغرب.. كيف يرى المواطن نجاحات الحكومة في ظل استمرار موجة الغلاء؟
جريدة النهضة: هيئة التحرير
بين لغة الأرقام الرسمية التي تصدرها الحكومة، وأنين الأسواق المشتعلة التي يكتوي بنارها المواطن، يبرز شرخ عميق يعكس انفصاما بين التقارير و الواقع.
ففي الوقت الذي اختارت فيه حكومة عزيز أخنوش الاحتفاء بنجاحاتها الاقتصادية عبر وثيقة رسمية تسوق لصمود الاقتصاد وكبح التضخم، يجد المغاربة أنفسهم في مواجهة يومية مريرة مع غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، مما حول شعارات الدولة الاجتماعية إلى مجرد عناوين براقة تفتقر لأثر ملموس على موائد الأسر المنهكة.
إن المفارقة الصارخة تبدأ من قراءة الحكومة لمؤشر التضخم، حيث تقدم تراجعه كإنجاز تاريخي، متجاهلة حقيقة اقتصادية بسيطة يدركها المواطن بجيوبه، وهي أن تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني استمرار ارتفاعها بوتيرة أقل حدة، مما يبقي الأثمنة في مستويات “فلكية” لا تتناسب مع الدخول المتجمدة.
ورغم الحديث عن ضخ مليارات الدراهم لدعم قطاعات النقل والغاز والكهرباء، إلا أن الأثر الميداني لهذا الدعم يظل غائبا، وسط اتهامات شعبية للحكومة بالعجز عن لجم المضاربين ولوبيات الاحتكار التي يبدو أنها المستفيد الأول من المال العام، بينما تظل الفئات الهشة والمتوسطة تحت رحمة التقلبات المزاجية للأسواق.
ولا يتوقف التناقض عند حدود الأسعار، بل يمتد إلى ملف التشغيل الذي تتباهى فيه الحكومة بأرقام “وردية” عن الاستثمار العمومي وخلق مناصب الشغل، بينما الواقع يتحدث عن اتساع دائرة البطالة والهشاشة، خاصة في صفوف الشباب والخريجين.
فالاقتصاد الوطني، ورغم لغة “الصمود”، فقد مئات الآلاف من مناصب الشغل في القطاع الفلاحي الذي يئن تحت وطأة الجفاف وغياب النجاعة في السياسات المائية، مما جعل الأمن الغذائي للمغاربة في مهب الريح، وأحال اللحوم والخضروات والمحروقات إلى سلع “نخبوية” تفوق القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة.
وفي نهاية المطاف، تبدو محاولة الحكومة لتسويق حصيلة تدبيرها كقصة نجاح اقتصادي وكأنها خطاب موجه لـ “مغرب آخر” لا يعيش فيه المغاربة.
فالشارع لا يقيس النجاح بنسب النمو أو تدفقات الاستثمار الأجنبي المكتوبة على الورق، بل يقيسها بمدى قدرة رب الأسرة على تأمين القوت اليومي دون اللجوء للاقتراض، وبمدى توفر فرص عمل كريمة تصون كرامة الشباب.
إن الهوة الشاسعة بين خطاب “الأرقام الجذابة” وواقع “المعاناة الخانقة” تؤكد أن الحصيلة الحقيقية لأي حكومة لا تقرأ في ردهات الوزارات، بل في قفة المواطن البسيط الذي بات يشعر، أكثر من أي وقت مضى، بأنه متروك وحيدا في مواجهة معركة البقاء.

