مأزق الوعي المعاصر.. حين تقود الإرادة العمياء حشود السوشيال ميديا
جريدة النهضة: مقال رأي
مشكات رضوان
من يراقب تفاصيل الحياة اليومية في فضاءاتنا العامة، بدءا من صخب المقاهي وسياق الأسواق الشعبية “السويقات”، وصولا إلى منصات العالم الافتراضي في “فيسبوك” و”إكس”، لا بد أن يصطدم بنموذج بشري يتكرر في كل زمان ومكان.
إنه ليس تصنيفا بيولوجيا بأي حال من الأحوال، بل هو حالة ذهنية واجتماعية متوارثة، يمكن اصطلاح تسميتها بـ”الكائن الهركاوي”.
هذا الكائن ليس شريرا بالضرورة ولا غبيا بالتعريف، لكنه يعيش علاقة توتر دائم مع الوعي، وكأنه استلم تلك الهبة العقلية العظيمة التي منحتها الطبيعة للإنسان، وقام ببرمجتها حصريا لخدمة وظائف بدائية: الأكل، التناسل، وتتبع القطيع.
في علم النفس التطوري، يكثر الحديث عن “الدوافع الأولية” التي تركز على البقاء والتكاثر، غير أن الفارق الجوهري بين الإنسان الواعي والإنسان الغارق في غريزته يكمن في القدرة على ترتيب هرم الأولويات.
فالأخير يظل سجينا للمرحلة الأولى من هرم “ماسلو” للاحتياجات، وكأن الحضارة الإنسانية بكل إرثها قد توقفت عنده عند سؤالين يتيمين: ماذا آكل؟ ومع من أنام؟ بينما تمر أمامه الأسئلة الوجودية الكبرى من قبيل “من أنا؟” و”ما قيمة المعرفة؟” مرورا عابرا كإعلان تجاري باهت لا يثير أي فضول.
هذا الذوبان الكامل في الجماعة يعيدنا إلى أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم حول قوة الجماعة وكيف يفقد الفرد استقلاليته داخلها ليتبنى سلوكياتها بلا تفكير.
يتجلى هذا بوضوح في عجز هذا النموذج البشري عن ممارسة فعل العزلة، فهو لا يستطيع الجلوس في مقهى بمفرده، ولا السير في شارع بمفرده، بل يحتاج دائما إلى سرب بشري يحيط به.
هذا الالتصاق ليس دافعه حب الآخرين، بل هو هروب ذعري من المواجهة الصامتة مع الذات، فالوحدة التي تمثل مختبرا ذهنيا للإنسان الواعي، تتحول لدى هذا الكائن إلى غرفة تحقيق مرعبة.
وفي هذا السياق، لخص غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” كيف يتنازل الفرد داخل الحشد عن حسه النقدي ليصبح أكثر اندفاعا وأقل عقلانية، حتى إننا نرى تجمعات من عشرة أفراد لا ينتجون ذكاء مضاعفا، بل يهبط مستوى تفكيرهم الجمعي إلى ما دون تفكير شخص واحد يجلس معتكفا على كتاب.
وتكتمل ملامح هذه الحالة الذهنية في العلاقة المرضية بالجنس، حيث يتحول هذا الدافع البيولوجي المرتبط بنظام المكافأة والدوبامين في الدماغ من رغبة طبيعية إلى مشروع فكري وحيد ومسيطر.
عندما يصبح الحديث، والتفكير، واليقظة، والمنام كلها محملة بهذا الهوس، يخرج الجنس من سياقه الغريزي ليتحول إلى عقيدة فكرية كاملة ترفع منسوب الطلب وتخلق حالة من السعار الاجتماعي المبتذل.
وهنا يتجسد فكر الفيلسوف الألماني نيتشه حين أشار إلى أن بعض الناس لا يعيشون حياتهم بل يعيشون غرائزهم فقط، وتتأكد نظرة شوبنهاور القاتمة حول “الإرادة العمياء” التي تسوق البشر، بل ربما لو عاين شوبنهاور بعض النماذج الحالية على وسائل التواصل الاجتماعي لراجع تفاؤله.
إن المعضلة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في الجهل، بل في عدائه للمعرفة نفسها، لأن المعرفة تتطلب الشك، والوحدة، والجهد، ومراجعة الذات، بينما هو يبحث عن إجابات سريعة ومجهزة تشبه الوجبات السريعة، ليدور في حلقة مفرغة ينتج فيها الجهل سطحية، وتولد السطحية مزيدا من الجهل.
والأخطر في واقعنا المعاصر ليس وجود هذا الكائن الذي رافق البشرية منذ العصور الحجرية، بل في كون البيئة الحالية باتت مصممة لمكافأته ورعايته، حيث يطغى صاحب الضجيج والتفاهة السريعة على صاحب الفكرة والعمق، مما يجعل المجتمع يستنزف رصيده الحضاري دون وعي.
إن مستقبل المجتمعات لا يقاس بالإسمنت والسيارات والمراكز التجارية، بل بنوعية البشر الذين تصنعهم، فالثروة الحقيقية تكمن في نقل الإنسان من مستنقع الغريزة إلى رحاب الوعي، أما الاستسلام لثلاثية الأكل والتكاثر والقطيع، فلن ينتج سوى نسخة مشوهة لكائن بدائي، يرتدي جينزا حديثا ويملك حسابا افتراضيا.

