قرار دعم النقل وتثبيت أسعار الغاز في مواجهة جشع المضاربين.. هل يكتمل الأثر بالحزم؟
جريدة النهضة
لا تكمن قوة الدولة فقط في قدرتها على ضخ المليارات لامتصاص صدمات الأسواق الدولية، بل في قدرتها على ضمان وصول كل سنتيم من هذا الدعم إلى جيب المواطن البسيط.
إن الاستراتيجية الاستباقية التي تنهجها الحكومة اليوم لمواجهة لايقين الأزمات في الشرق الأوسط، وتحولها إلى درع واقي يتحمل عبء ارتفاع أسعار الطاقة واللوجستيك عالميا، هي خطوة شجاعة سياسيا واقتصاديا، لكنها تظل ناقصة ما لم ترفق بـيد حديدية تضرب على يد العابثين بالأمن الغذائي للمغاربة.
إن المشهد اليوم معقد، فبينما تفتح الدولة خزائنها لدعم مهنيي النقل والحفاظ على ثمن الغاز في مستويات معقولة رغم اشتعال أسعارها دوليا بنسبة 68%، نجد في المقابل سماسرة أزمات يتربصون في ممرات الأسواق، يحاولون تحويل هذا الجهد الوطني إلى أرباح شخصية ضيقة عبر المضاربة واحتكار السلع ورفع الأسعار دون مبرر واقعي.
هؤلاء تجار المآسي لا يستهدفون جيوب المواطنين فحسب، بل يضربون في العمق مفهوم السلم الاجتماعي الذي تضحي الدولة بميزانيتها من أجل استقراره.
لقد علمتنا تجارب الأزمات السابقة أن الدعم المالي وحده لا يكفي، فالمضارب لا تردعه الأرقام بل تردعه الرقابة الصارمة والمحاسبة العلنية.
إن الوظيفة الجوهرية للسلطة اليوم، بجميع أجهزتها الرقابية، هي الانتقال من “مرحلة الطمأنة” إلى مرحلة الحزم الميداني. يجب أن يشعر كل وسيط أو محتكر أن الدولة التي تلعب دور الحضن للمواطن هي نفسها التي تملك سيف القانون ضد كل من تسول له نفسه الاغتناء من وجع الأزمة.
إننا أمام امتحان حقيقي لهيبة الدولة وأجهزتها الرقابية. فالتاريخ لن يذكر فقط كم رصدت الحكومة من مليارات لحماية القدرة الشرائية، بل سيذكر بالأساس هل نجحت في منع سماسرة الأزمات من سرقة هذا الدعم من أمام أعين المستهلكين.
الاستقرار الاجتماعي خط أحمر، وحمايته لا تمر فقط عبر شاشات البورصة، بل عبر أسواق الجملة، والمستودعات السرية، وصدق النوايا في إنفاذ القانون.
