جهة العيون الساقية الحمراء من بين أعلى معدلات البطالة وطنيا.. تساؤلات حول فعالية النموذج التنموي الجهوي
جريدة النهصة: هيئة التحرير
في ظل الزخم التنموي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، جاءت الأرقام الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لترسم لوحة مغايرة تضع الجميع أمام مرآة الحقيقة، حيث تربعت جهة العيون الساقية الحمراء على عرش قائمة الجهات الأكثر تضررا من شبح البطالة بنسبة مقلقة استقرت في 20,3 في المائة.
هذا الرقم ليس مجرد إحصاء عابر، بل هو صرخة اقتصادية تدعو إلى إعادة فحص مكامن الخلل في النموذج التنموي الجهوي، وتطرح تساؤلا جوهريا: كيف لجهة تصنف كخزان للثروات السمكية والفوسفاطية أن تسجل هذا العجز في احتضان طاقاتها الشابة ودمجها في سوق الشغل؟
وبينما كان المنتظر أن تتحول العيون إلى قطب استثماري جاذب، يبدو أن هناك حواجز غير مرئية تحول دون وصول ثمار هذه التنمية إلى القواعد الشعبية، مما يغذي الشعور بالإقصاء ويضع علامات استفهام كبرى حول مصير الميزانيات الضخمة المرصودة لتنمية المنطقة.
في هذا السياق، يتجه إصبع الاتهام نحو “النخبة الاقتصادية” والقطاع الخاص بالجهة، فالمراقب للشأن المحلي يلمس غيابا شبه تام لمبادرات رجال أعمال حقيقيين يقطعون مع منطق “الريع” ويؤمنون بالاستثمار المنتج.
والواقع يشي بوجود طبقة تقتات على الامتيازات وشبكة العلاقات الضيقة، فيما يشبه “الحصار الاقتصادي” الذي يمنع دوران العجلة التجارية بشكل سليم، حيث يكتفى باستغلال خيرات الجهة دون إعادة استثمارها في مشاريع تخلق مناصب شغل قارة، مما حول مفهوم “رجل الأعمال” في نظر الكثيرين إلى مجرد مستفيد من ريع سياسي واقتصادي لا يخدم إلا مصالح فئات محدودة.
ولا تبرأ ذمة النخب المحلية من هذه الحصيلة القاتمة، فهم المطالبون بصناعة سياسات ترابية ذكية ومبتكرة. غير أن الانتقادات المتزايدة تشير إلى نوع من “الاستفراد” بمفاصل التدبير العام، والانشغال بتنمية المشاريع الخاصة تحت غطاء المؤسسات المنتخبة، بدلا من الترافع من أجل جلب استثمارات حقيقية وبناء اقتصاد جهوي صلب.
هذا القصور في الأداء يمتد ليشمل المؤسسات الوصية، وعلى رأسها سلطات الإدارة الترابية، التي تجد نفسها اليوم مطالبة بتجاوز لغة الأرقام الوردية التي تلمع الواجهة دون ملامسة الجوهر، فالمواطن في العيون لم يعد يقتنع بالصور والوعود بقدر ما يحتاج إلى مشاريع ملموسة تعيد له كرامته الاقتصادية.
إن تصدر جهة العيون لمعدلات البطالة هو مؤشر فشل لا يمكن حجب شمسه بغربال الإنجازات السطحية. إنها دعوة صريحة لمراجعة شاملة تقطع مع الممارسات الريعية، وتجعل من “المواطن” في الأقاليم الجنوبية الغاية والوسيلة في آن واحد.
فالتحدي اليوم لم يعد في استخراج الفوسفاط أو تصدير السمك، بل في استخراج الشباب من دوامة اليأس والبطالة عبر بناء تعاقد جديد يضع مصلحة الجهة فوق مصالح اللوبيات المهيمنة.

