الأصالة والمعاصرة بين خطاب التماسك وواقع التحديات الداخلية
جريدة النهضة: مقال رأي
هيئة التحرير والنشر
حاول المجلس الوطني الحادي والثلاثون لحزب الأصالة والمعاصرة، المنعقد بمدينة سلا يوم السبت الماضي، أن يقدم نفسه باعتباره محطة استراتيجية لتجديد خطاب الحزب وإعادة ترتيب موقعه داخل المشهد السياسي الوطني.
غير أن قراءة متأنية لمخرجات هذا المجلس ولطبيعة الخطاب الذي طبع أشغاله توحي بأن الحزب يعيش مفارقة واضحة بين ما يطمح إلى أن يكونه وما يظهر عليه فعليا، وبين طموحاته المعلنة والإكراهات التنظيمية والسياسية التي تحيط به.
في كلمتها الافتتاحية، شددت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية، على أن قوة الحزب تكمن في تنظيماته الترابية ومناضليه، وليس في أشخاص أو مواقع بعينها، ويفترض أن يبعث هذا الخطاب رسائل طمأنة داخلية ويعكس تصورا ديمقراطيا للتدبير الحزبي، غير أن طابعه الدفاعي يظل حاضرا بقوة، خاصة إذا ما قورن بتاريخ الحزب الذي ارتبط، في نظر عدد من المتابعين، بشخصيات محورية وقرارات مركزية.
من هذا المنظور، تبدو محاولة إبراز قوة التنظيمات الترابية أقرب إلى إعادة تقديم الصورة أكثر من كونها تعبيرا عن تحول بنيوي عميق.
وتوقفت المنصوري عند ما وصفته بالإشاعات التي تستهدف الحزب وتسعى إلى ضرب تماسكه، مؤكدة أن الحزب اعتاد على مثل هذه الحملات ولم يعد يتأثر بها، غير أن الإلحاح المتكرر على هذا الموضوع داخل الخطاب الرسمي يطرح تساؤلات حول حجم القلق الداخلي من انعكاس هذه النقاشات على صورة الحزب لدى الرأي العام، خاصة في ظل سياق سياسي وإعلامي سريع التأثر.
وحضر ملف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، بقوة خلال أشغال المجلس، حيث دافعت القيادة عن مساره السياسي واعتبرت أن الاتهامات الموجهة إليه تمس بسمعته الشخصية والأسرية، ما دفع الحزب إلى اللجوء إلى القضاء.
من حيث المبدأ، يظل اللجوء إلى القضاء حقا مشروعا، غير أن بعض القراءات ترى أن غياب نقاش داخلي شفاف أو توضيحات سياسية استباقية قد يفتح المجال أمام تأويلات تعتبر أن الحزب فضل الحسم القانوني السريع على معالجة سياسية أوسع وأكثر انفتاحا.
وعلى مستوى العلاقة داخل الأغلبية الحكومية، أكدت القيادة الجماعية أن حزب الأصالة والمعاصرة يتحمل مسؤوليته السياسية كاملة باعتباره شريكا في الحكومة، ولا يمارس معارضة من داخلها، ولا يتنصل من التزاماته.
غير أن هذا الخطاب يسلط الضوء على معادلة دقيقة يواجهها الحزب، تتمثل في الموازنة بين الحفاظ على موقعه داخل الأغلبية والدفاع عن استقلاليته السياسية وهويته الحزبية، خاصة في سياق تطرح فيه تساؤلات حول قدرة مكونات الائتلاف على التعبير عن مواقف متميزة دون المساس بتماسك الحكومة.
وفي ما يخص إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش عدم تجديد ولايته على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، اعتبرت قيادة الأصالة والمعاصرة أن هذا القرار لا يؤثر على طموحات الحزب أو استعداده للاستحقاقات المقبلة، غير أن طبيعة التحالفات السياسية تجعل من الصعب عزل التحولات الداخلية لأحد مكونات الأغلبية عن باقي الشركاء، بحكم تشابك المصالح وتوازنات القوة داخل الائتلاف الحكومي.
أما بخصوص النقاش المتعلق بقدرة فاطمة الزهراء المنصوري على قيادة المرحلة المقبلة، فقد ربطت القيادة هذا الطرح باستمرار بعض أشكال التمييز ضد القيادات النسائية في المجال السياسي.
ورغم وجاهة هذا الطرح في جانب منه، إلا أن التساؤل حول كفاءة القيادات السياسية يظل، في نظر العديد من المتابعين، نقاشا مشروعا لا ينبغي اختزاله في بعده الجندري، بل ربطه بالأداء والبرنامج والقدرة على تدبير مرحلة دقيقة.
وعاد موضوع التخليق ليحتل حيزا مهما في خطاب المجلس، من خلال التأكيد على اعتماد ميثاق للأخلاقيات وتشديد معايير التزكيات، ورغم أهمية هذا التوجه، فإن توقيته يثير تساؤلات حول ما إذا كان مرتبطا بإصلاح داخلي مستدام أم باستباق انتقادات محتملة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
فالتخليق، وفق منطق الممارسة السياسية، يظل مسارا تراكميا يقوم على المحاسبة والشفافية، وليس مجرد إعلان نوايا ظرفي.
في المحصلة، يمكن اعتبار المجلس الوطني الحادي والثلاثين لحزب الأصالة والمعاصرة محاولة لإعادة ضبط الخطاب السياسي وتحصين صورة الحزب، غير أنه لم يبدد بشكل كامل الإشكالات البنيوية التي تطرحها طبيعة قيادته الجماعية، وحدود استقلاليته داخل الأغلبية، وكيفية تعاطيه مع ملفات حساسة، وهي إشكالات تفتح النقاش حول مدى قدرة الحزب على الانتقال من خطاب الدفاع إلى ممارسة سياسية أكثر وضوحا وانسجاما مع شعاراته المعلنة.
عن هيئة النشر والتحرير

