احتقان غير مسبوق يهز فرنسا.. تعبئة أمنية واسعة ومخاوف من انفجار الاحتجاجات وتصاعد المواجهة بين اليمين واليسار
جريدة النهضــة
تستعد فرنسا لمواجهة يوم السبت، الذي يوصف بأنه الأصعب منذ بداية موجة الاحتجاجات، في أجواء مشحونة تختلط فيها الحسابات السياسية بالغضب الاجتماعي والهواجس الأمنية. فالبلاد تعيش منذ أكثر من شهر على وقع احتقان متواصل، يبلغ ذروته اليوم قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، التي يتصدر استطلاعاتها اليمين المتطرف.
وتتجه الأنظار إلى الشارع الفرنسي، إذ تفيد معطيات متداولة بأن مجموعات “السترات الصفراء” والحركات الطلابية والنقابات العمالية، إلى جانب تيارات اليسار الراديكالي والمنظمات المناهضة للرأسمالية، تعبئ صفوفها للنزول إلى الشارع في مختلف أنحاء البلاد، بعد أسبوع من التحضير لهذا الموعد.
وفي المقابل، يستعد اليمين المتطرف بدوره، إذ يعقد حزب “التجمع الوطني” مؤتمرا يومي السبت والأحد في مدينة أورليان، وتشير المعطيات المتداولة إلى أن مارين لوبان ستنظم فعالية على هامشه يتوقع أن تجمع نحو عشرة آلاف مناصر، فيما تتحدث تقارير عن عزم مجموعات قومية التحرك في مناطق متفرقة من البلاد.
ويزيد من تعقيد المشهد، بحسب ما تناقلته وسائل إعلام، حادث إطلاق نار نسب إلى رجل أبيض واستهدف أفرادا من الجاليات المسلمة، وهو ما أثار موجة غضب تزامنت مع موعد التظاهر، وسط مخاوف من أن ترفع هذه التطورات وتيرة العنف مقارنة بالأيام السابقة. وتبقى تفاصيل الحادث ودوافعه رهينة ما ستكشفه التحقيقات الرسمية.
وأمام هذا الوضع، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز، في مؤتمر صحفي عقده الجمعة، تعبئة 70 ألف عنصر أمني لمواجهة تحركات الغد، بزيادة تناهز 20 في المائة عن الأسبوع الماضي.
ويضم هذا الانتشار عناصر من مختلف المقاطعات ووحدات خاصة ووحدات مكافحة الشغب، مدعومة بنحو 20 آلية مدرعة من طراز “سنتور” تابعة للدرك و15 مركبة مجهزة بخراطيم المياه تابعة للشرطة. وتفيد معطيات متداولة بأن الانتشار يشمل كذلك عناصر من الجيش، وأن مهمته تتركز على حماية المنشآت الحيوية والمباني الرسمية.
وبرر الوزير هذه التعبئة بوجود دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، قال إنها صادرة عن مجموعات من اليسار المتطرف والتيارات الراديكالية، تحرض على أعمال العنف والنهب.
ولا تأتي هذه التدابير من فراغ، فقد سبقتها أعمال عنف شهدتها البلاد يوم 17 أكتوبر، عجزت قوات الأمن عن احتوائها في عدة مدن، من بينها ليموج التي اقتحم مقر بلديتها التاريخي وأضرمت فيه النيران.
وكانت السلطات قد فرضت خلال الأسبوع الجاري حظر التجول ومنع التظاهر في عدد من المناطق والأحياء بالمدن الكبرى. وكشف وزير العدل جيرالد دارمانان أن 217 شخصا أودعوا السجن من أصل نحو 2700 موقوف على خلفية أعمال التخريب والنهب التي طالت قرابة ثلاثة آلاف متجر، مؤكدا أن حجم الإجراءات الجنائية المتخذة غير مسبوق.
وعلى المستوى السياسي، اتسمت لهجة السلطة بالتشدد، إذ دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى “أقصى درجات الحزم” في مواجهة ما وصفه بالأعمال الإجرامية، متهما مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى “إسقاط الجمهورية”.
وأعلن أن السلطات لن تسمح إلا بالتحركات التي تنظمها النقابات، فتقرر منع تجمعات كانت مرتقبة في ليون ومرسيليا، مع إمكانية الطعن في القرار أمام المحاكم الإدارية، بينما لم يرخص في باريس سوى لمظاهرة واحدة، ودعت البلدية السكان إلى توخي الحذر، في حين نصحت الشرطة التجار بالاستعانة بشركات حراسة خاصة لحماية محلاتهم.
هذه الإجراءات قوبلت بانتقادات حادة من المعارضة، إذ ندد حزب “فرنسا الأبية” بزعامة جان لوك ميلانشون بما اعتبره “هروبا إلى الأمام سلطويا”، محذرا من المساس بالحريات العامة تحت ذريعة استعادة النظام.
وتتهم أحزاب اليسار الحكومة بالارتهان إلى المقاربة الأمنية دون تقديم أجوبة عن المطالب التي فجرت الاحتجاجات، وفي مقدمتها تراجع القدرة الشرائية وتدني الأجور وتدهور التعليم والخدمات العمومية.
وفي محاولة لاحتواء الغضب، استقبل ماكرون الجمعة ممثلي المنظمات الطلابية بقصر الإليزي، للمرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات، على أن يعقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو لقاء مماثلا معهم الاثنين المقبل.
غير أن آمال الطلبة في نتائج هذا الحوار تتباين، فقد أكد ناتانايل كومباري، رئيس حركة “التجدد الطلابي” والناشط في حزب “النهضة” الرئاسي، أن الطلبة سيجددون مطالبهم السابقة، بينما أبدى بيار سورزا، رئيس منظمة “طلاب الثانويات”، شكوكه في جدوى اللقاء، معتبرا أن الرئيس سيكتفي بالاستماع وإظهار التفهم دون خطوات عملية، رغم تعهد الحكومة بدراسة الشكاوى الواردة عبر منصة إلكترونية أُطلقت مطلع أكتوبر.
وبالتوازي مع مؤتمر “التجمع الوطني” في أورليان، تسود مخاوف من صدامات مع مجموعات معارضة له. وينتظر أن يشارك ما بين 20 و30 ألف متظاهر مناهض لليمين المتطرف في تحرك مضاد، بينهم شخصيات سياسية ونقابية بارزة، يتقدمهم الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور والأمينة العامة للكونفدرالية العامة للعمل صوفي بينيه، بينما طالب لوي أليو، نائب رئيس التجمع الوطني، بضمان أمن المؤتمر.
وقد امتدت تداعيات الأزمة إلى الأجندة الدبلوماسية للرئيس، إذ أعلنت أوساط الإليزيه تأجيل زيارة رسمية كانت مقررة إلى نيجيريا والسنغال بين 28 و31 أكتوبر الجاري. أما رئيس الوزراء، فيتوجه إلى ليموج، إحدى أبرز بؤر العنف الأسبوع الماضي، في محاولة لإظهار حضور الدولة في المناطق المتضررة.
ولم تتوقف الارتدادات عند حدود الشارع، بل بلغت الأسواق المالية، حيث ارتفع العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى أكثر من 5 في المائة، وهو مستوى لم يسجل منذ سنة 2002، وسط قلق المستثمرين من قدرة البلاد على ضبط عجز الميزانية والسيطرة على الدين.
ويتوقع خبراء اقتصاديون أن تقدم وكالة “موديز” مساء الجمعة على خفض التصنيف الائتماني لفرنسا، ما قد يرفع كلفة الاقتراض ويضاعف الضغوط على حكومة لا تملك سوى هامش مالي ضيق، في ظل التحضير لميزانية جديدة بقيود صارمة.
وبين الغضب الاجتماعي والاستقطاب السياسي والمخاطر الاقتصادية، تجد فرنسا نفسها أمام أزمة متشابكة الأبعاد، حتى إن وسائل إعلام وسياسيين فرنسيين باتوا يطرحون بصراحة سؤال ما إذا كانت الأوضاع الراهنة مقدمة لانزلاق نحو مواجهة أهلية، فيما يرى كثيرون أن يوم السبت سيشكل نقطة تحول في هذا المسار، أيا كانت وجهتها.
