جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

فرنسا على حافة الانفجار.. أزمة اقتصادية وصراع سياسي وأسئلة محرجة حول من يتحكم فعليا في مستقبل الدولة؟

جريدة النهضــة – هيئة التحريــر والنشــر

ماذا يحدث في فرنسا؟ هل هي أزمة اقتصادية، أم صراع سياسي، أم فشل للدولة؟ وهل يتعلق الأمر بملف الهجرة، أم بمؤامرة تستهدف المهاجرين؟ ومن المستفيد إذا كان الجميع خاسرا؟

 

شهدت فرنسا في الأسابيع الأخيرة موجة من الاحتجاجات الاجتماعية، بدأت بتحركات تلاميذ الثانويات، وبلغت ذروتها أمس في تظاهرات وصفت بأنها الأضخم والأعنف، بحسب ما تداولته صور ومقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي. ويطرح هذا التصعيد سؤالا مباشرا: هل الدين العام وتراجع القدرة الشرائية وراء هذا الغضب؟

تشير المعطيات إلى أن الدين العام الفرنسي بلغ قرابة 3,595 مليار يورو، أي نحو 119٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وهو رقم ضخم دفع الحكومات المتعاقبة إلى اعتماد سياسات تقشفية طالت قطاعات عدة، وانعكست على المعيش اليومي للفرنسيين. لكن هل تعيش فرنسا أزمة غير مسبوقة؟

الواقع أن البلاد مرت بأزمات مماثلة، فمنذ عام 1974 توالت عليها الصدمات الاقتصادية، من أزمة تسعينيات القرن الماضي في أوروبا إلى تداعيات جائحة كورونا. ومع ذلك ظل الاقتصاد الفرنسي صامدا بفضل قوته وتنوعه. فهو ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وأحد اقتصادات مجموعة السبع، كما تمتلك فرنسا احتياطيات ذهب تضعها في المرتبة الرابعة عالميا. ولذلك يرجح أن تتجاوز أزمتها الحالية كما تجاوزت سابقاتها.

فإذا كانت المؤشرات الاقتصادية لا تفسر وحدها ما يجري، فما الذي يحدث بالضبط؟

تعيش فرنسا على وقع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية لسنة 2027، في مشهد سياسي شديد الاستقطاب. وتضع بعض استطلاعات الرأي جان لوك ميلانشون ومارين لوبان ضمن أبرز المرشحين المحتملين للدور الثاني، في مواجهة تعكس صراعا حادا بين أقصى اليسار وأقصى اليمين.

وهذا الاستقطاب أحد المفاتيح الأساسية لفهم ما نشاهده اليوم. فقد بات الشباب، بوعي منهم أو من دونه، وقودا لصراع سياسي محتدم على الشارع، تتنافس فيه تيارات متشددة على توسيع نفوذها وفرض أجنداتها. والنتيجة مشاهد من العنف والفوضى والخوف، في بلد لطالما قدم نفسه نموذجا للديمقراطية والاستقرار.

غير أن قراءة المشهد من زاوية الصراع بين اليمين واليسار تظل ناقصة. فقد تحدث إيمانويل ماكرون، في إحدى مقابلاته الصحفية مطلع ولايته، عن الضغوط التي تواجه سياسته من داخل مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ. ويعتقد كثيرون أن الحزب الفائز في بلد ديمقراطي عريق يملك حرية تنفيذ برنامجه كما يشاء، لكن الواقع أكثر تعقيدا.

فالدولة، في فرنسا كما في غيرها، ليست مجرد رئيس وحكومة وبرلمان، بل تحيط بها مراكز نفوذ اقتصادية وإدارية وإعلامية قادرة على التأثير في القرارات وتوجيه السياسات، داخليا وخارجيا. وقد ينجح الحزب الفائز في تمرير بعض القوانين، لكنه قد يصطدم بمقاومة مؤسساتية أو اقتصادية أو إعلامية تحدّ من قدرته على التنفيذ، خصوصا حين تتعارض قراراته مع مصالح القوى النافذة. ومن هنا يبرز السؤال عن حدود السلطة السياسية المنتخبة، وعن حجم تأثير مراكز نفوذ لا تتغير بالضرورة بتغير الحكومات.

فهل ما تعيشه فرنسا اليوم أزمة اقتصادية عابرة، أم أزمة ثقة في المؤسسات، أم صراع على هوية الدولة ومستقبلها؟

قد تتجاوز فرنسا أزمة الدين، وقد تتحسن القدرة الشرائية مع الوقت. لكن الأخطر أن يتحول الخلاف السياسي إلى صراع في الشوارع، وأن يصبح الشباب وقودا لمعركة لا يملكون قرارها، بينما يجني السياسيون مكاسبها.

وحين يتحول الشارع إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتصبح الأزمات الاجتماعية أدوات في الصراع على السلطة، لا يعود السؤال فقط: من سيحكم فرنسا سنة 2027؟ بل: من سيحدد مستقبل فرنسا فعلا، الحكومة التي ينتخبها الشعب، أم مراكز النفوذ القادرة على التأثير في قراراتها؟

error: Content is protected !!