تسقيف سن مباريات التعليم.. قيود كانت تعسفية تقوض العدالة وتعمق أزمة التعليم
جريدة النهضة: مقال رأي
مشكات رضوان
لا يزال القرار السابق الذي أقرته وزارة التربية الوطنية والرياضة والقاضي بتحديد سن الترشح لمباريات التعليم في ثلاثين عاما، يشكل جرحا عميقا في جسد العدالة الاجتماعية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الدولة بمبادئ المساواة والإنصاف في الولوج إلى الوظيفة العمومية.
هذا القرار الذي جاء تحت شعارات براقة، كتشبيب القطاع والاستثمار الأمثل في التكوين، أثبت فشله الذريع في تحقيق أهدافه المعلنة، بل زاد من تعقيدات المنظومة التعليمية وأضر بمصالحها العليا.
إن أول ما يلفت النظر في ذلك القرار هو تناقضه الصارخ مع القوانين المنظمة للوظيفة العمومية، التي تحدد السن الأقصى للتوظيف في 45 عاما، فيما تشذ وزارة التربية الوطنية والرياضة عن هذه القاعدة دون مبرر موضوعي مقنع.
هذا التناقض القانوني يخلق تمييزا مقيتا بين المواطنين في حقهم الدستوري في الولوج للوظائف العمومية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول شرعية هذا الإجراء ومطابقته للمبادئ الدستورية.
فإذا كان المواطن المغربي يحق له الترشح لجميع الوظائف العمومية إلى غاية 45 عاما، فلماذا يحرم من هذا الحق عندما يتعلق الأمر بقطاع التعليم تحديدا؟ ألا يشكل هذا انتهاكا صريحا لمبدأ المساواة أمام القانون؟
لقد أثبتت الممارسة العملية عبر السنوات الماضية فشل هذا القرار في تحقيق الأهداف المنشودة، بل أدى إلى نتائج عكسية خطيرة.
واجهت الوزارة صعوبات جمة في ملء الخصاص المتزايد في تخصصات حيوية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والأرض، مما اضطرت لإعتماد حلول ترقيعية غير مجدية تمثلت في تكليف أساتذة من تخصصات أخرى بتدريس مواد خارج نطاق تخصصهم وتكوينهم الأكاديمي. هذه الممارسات أضرت بشكل مباشر بجودة التعليم في وقت تحتاج فيه المدرسة المغربية إلى كل الكفاءات المتاحة والمؤهلة لمواجهة تحدياتها الراهنة والمستقبلية.
إن الأثر الاجتماعي والإنساني لهذا القرار لا يقل خطورة عن تداعياته التقنية على المنظومة التعليمية. فهو يتجاهل بشكل صارخ واقع المجتمع المغربي ومساراته التعليمية والمهنية المتنوعة.
هناك أجيال من المغاربة تأخرت في إنهاء دراستها العليا بسبب ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، اضطرت للعمل أثناء الدراسة أو مقاطعة تعليمها لفترات طويلة لمساعدة أسرها،و هناك أيضا من سعى لتطوير مهاراته وتخصصه بتكوينات إضافية أو دراسات عليا استغرقت سنوات، وهناك نساء كثيرات أجلن طموحاتهن المهنية لسنوات من أجل تربية أطفالهن والاعتناء بأسرهن.
كل هؤلاء أصبحوا محرومين من حقهم المشروع في خدمة بلدهم في قطاع التعليم، رغم امتلاكهم للكفاءات والمؤهلات المطلوبة.
وعندما ننظر إلى التبريرات المقدمة لهذا القرار، نجدها واهية وغير مقنعة من الناحية العلمية والعملية. فحجة “تشبيب القطاع” تفتقر للأسس العلمية الراسخة، إذ أن التجارب التعليمية المقارنة تؤكد أن التنوع العمري في الهيئة التدريسية يشكل إثراء للعملية التربوية، حيث يتكامل حماس الشباب مع خبرة ونضج المدرسين الأكبر سنا، كما أن حجة الاستثمار الأفضل في التكوين تتناقض مع الواقع، لأن المدرسين الذين يلتحقون بالمهنة في سن متقدمة نسبيا يأتون بتجربة حياتية ومهنية ثرية، ونضج فكري وعاطفي يمكنهم من التعامل بفعالية أكبر مع التلاميذ وتحديات المهنة.
إن النظم التعليمية المتقدمة عبر العالم تقدر قيمة التجربة والنضج في المهنة التدريسية، وتعتبر المدرسين الأكبر سنا رصيدا ثمينا يجب الاستفادة منه وليس إقصاؤه.
فالتدريس ليس مهنة تتطلب القوة الجسدية أو السرعة فقط، بل هي مهنة تحتاج للحكمة والصبر والقدرة على فهم نفسية الطلاب وتوجيههم، وهذه صفات تتطور وتنضج مع التقدم في السن والتجربة.
لقد حان الوقت لإعادة النظر في هذا القرار المجحف والاعتراف بأخطائه الفادحة.
إن إلغاء تسقيف السن والعودة إلى المعايير القانونية المعمول بها في الوظيفة العمومية ليس مطلبا فئويا أو مصلحة ضيقة، بل ضرورة وطنية ملحة لإنقاذ قطاع التعليم من أزمته الحالية وأزمة الخصاص المتفاقمة في التخصصات العلمية.
المغرب في حاجة ماسة إلى كل كفاءاته المؤهلة، والحكم على هذه الكفاءات يجب أن يكون بناء على المعرفة العلمية والقدرة البيداغوجية والرغبة الحقيقية في العطاء، وليس على معايير عمرية تعسفية لا تستند إلى أي أسس علمية أو منطقية.
إن الإبقاء على هذا القرار في ظل النتائج الكارثية التي أفرزها يعد إصرارا على الخطأ وتجاهلا لمصلحة الوطن العليا. فتصحيح هذا الخطأ ليس فقط إنصافا لآلاف الكفاءات المقصية ظلما، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل التعليم الوطني وتجسيد عملي لمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة التي يجب أن تحكم جميع السياسات العمومية في الدولة المغربية الحديثة.

