دراسة ميدانية.. 90% من المغاربة يتهمون المنتخبين بنقض الوعود وأزمة الثقة تهدد انتخابات 2026
جريدة النهضة
قبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في المغرب لشهر شتنبر المقبل، دقت دراسة ميدانية حديثة لجمعية “المواطنون” ناقوس الخطر حول واقع ومستقبل المشاركة السياسية في المملكة، حيث كشفت الأرقام الصادمة عن هوة سحيقة وأزمة ثقة غير مسبوقة تفصل المواطن المغربي عن مؤسساته المنتخبة والأحزاب السياسية، مشيرة إلى أن تسعة مغاربة من أصل عشرة يتهمون المنتخبين بنقض وعودهم، في وقت اختار فيه ربع الناخبين مقاطعة صناديق الاقتراع بشكل نهائي كـ”نواة صلبة” للعزوف.
الدراسة التي شملت عينة واسعة تفوق 2900 مشارك من مختلف جهات المملكة بين شهري يناير وأبريل من العام الجاري، تميزت بتركيزها على فئات حضرية ومتعلمة ومتابعة للشأن العام، مما يعطي لنتائجها دلالة أعمق، إذ تبين أن الفئات الأكثر وعيا بالنقاش العمومي هي الأكثر إحباطا وفقدانا للثقة.
وتتجلى المفارقة الصارخة في كون ثلثي المستجوبين يؤمنون بأن التصويت واجب مدني مهم، لكن في المقابل، لا تتعدى نسبة الواثقين في نتائج الانتخابات الماضية 13.6%، بينما عبرت الأغلبية الساحقة عن تقييم سلبي لعمل المؤسسات العمومية ومصداقية الاستحقاقات.
هذا التراجع الحاد في منسوب الثقة يمتد ليشمل تقييم أداء الأحزاب السياسية التي تبدو، بحسب لغة الأرقام، معزولة تماما عن نبض الشارع، إذ أكد حوالي 80% من المشاركين غياب أي علاقة تربطهم بالهيئات السياسية، ويرى 88% منهم أن هذه الأحزاب لا تكترث مطلقا بمشاكلهم اليومية وقضاياهم الحقيقية، فضلا عن حصول أساليب التواصل الحزبي والخطاب التقليدي على أسوأ التقييمات الممكنة، مما يؤكد تراجع قدرة الأحزاب على خلق قنوات تواصل مستدامة خارج المواسم الانتخابية.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، يسجل التقرير ظاهرة لافتة وصفها بـ”الانسحاب النقدي”، حيث لم يتخل المغاربة عن متابعة الشأن العام بل نقلوا اهتمامهم إلى فضاءات بديلة، لتتربع منصات التواصل الاجتماعي كمصدر أول للمعلومة السياسية بنسبة 74%، متفوقة بمسافات شاسعة على الصحافة الإلكترونية والمكتوبة والتلفزيون والإذاعة التي تراجعت أدوارها بشكل كبير.
وعلى مستوى نوايا التصويت لانتخابات الخريف المقبل، يبدو المشهد مجزأ ومقلقا للمشرفين على العملية الانتخابية، إذ لا تتعدى نسبة الذين ينوون المشاركة “بالتأكيد أو على الأرجح” حاجز 42.3%، في حين تتوزع النسبة المتبقية بين الرفض القاطع والمقاطعة المتعمدة أو التردد.
ويفسر المستجوبون دوافع هذا العزوف بعاملين رئيسيين هما انعدام الثقة في الأحزاب، والقناعة الراسخة بأن التصويت لم يعد يحقق أي تغيير ملموس على أرض الواقع.
ورغم هذا الإحباط العام، حملت الدراسة معطيات مفاجئة وضعت الشباب والنساء في صدارة الفئات الأكثر استعدادا للتصويت، حيث أبدت الفئة العمرية الشابة (بين 18 و24 سنة) والنساء رغبة أعلى في المشاركة السياسية مقارنة بالرجال وباقي الفئات العمرية، وذلك على الرغم من أن الشباب أنفسهم هم الأكثر انتقادا لإقصائهم وضعف حضورهم في مراكز القرار السياسي.
وتخلص الدراسة إلى أن أدوات إنقاذ المشهد وإعادة بناء الثقة لا تزال ممكنة ومتاحة قبل فوات الأوان، بشرط توفر إرادة حقيقية لضمان نزاهة العملية الانتخابية، وتقديم برامج سياسية واضحة ومفهومة، وفتح المجال واسعا أمام نخب شابة جديدة، فضلا عن تعزيز شفافية تمويل الأحزاب، محذرة من أن استمرار المؤشرات الحالية دون معالجة جذرية قد يحوّل العزوف الانتخابي من مجرد ظاهرة ظرفية إلى سلوك سياسي دائم يهدد شرعية المؤسسات المنتخبة في قادم السنوات.

