عيد على صفيح ساخن.. كيف أعاد اشتعال المحروقات وهيكل التوزيع صياغة أسعار الأضاحي قبيل موعدها على حساب المواطن؟
جريدة النهضة
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة مباشرة مع رحى الأسعار التي لا ترحم، في مشهد يطغى عليه القلق، بدل الفرح والاستبشار.
إن الحديث اليوم عن عيد على صفيح ساخن هو تشخيص واقعي لأزمة مركبة تتداخل فيها تقلبات السوق الدولية بجشع المضاربات المحلية، حيث باتت أسعار الأضاحي تسجل مستويات قياسية التي تنهك الجيوب ولم تتعاف بعد من توالي الصدمات التضخمية.
فعليا المعطيات الميدانية تشير إلى أن السبب الحالي و المباشر يكمن في اشتعال أسعار المحروقات، حيث وصل سعر الغازوال إلى مستويات قياسية، وهو ما يمثل العمود الفقري لتكاليف الإنتاج والنقل، فكل شاحنة تنقل القطيع من مناطق الإنتاج نحو الحواضر الكبرى، تفرغ عبء وقودها مباشرة في السعر النهائي للخروف، مما يحول المسافة الجغرافية إلى ضريبة مالية ثقيلة يؤديها المستهلك النهائي.
إلا أن التدقيق في البنية الاقتصادية لهذه الأزمة يكشف أن المحروقات ليست سوى واجهة لجبل جليد من الاختلالات البنيوية، فرغم التساقطات المطرية الأخيرة التي أنعشت الغطاء النباتي وخففت نظريا من حدة نفقات الأعلاف، إلا أن هذا التحسن لم يجد طريقه إلى الشناقة أو الأسواق، والسبب في ذلك يعود إلى هيمنة الوسطاء الذين يتحكمون في مفاصل التوزيع.
هؤلاء الوسطاء، أو لوبي التوزيع، يستغلون تشتت صغار الكسابة ليفرضوا منطقهم الخاص، حيث يشترون القطيع بأسعار منخفضة في الضيعات، ثم يعيدون طرحه في الأسواق الحضرية بهوامش ربح خيالية تصل أحيانا إلى 30% من القيمة الإجمالية للأضحية، مستغلين غياب الرقابة الصارمة على سلاسل الإمداد.
وبالإضافة إلى تكلفة النقل، تبرز إشكالية الأعلاف المركبة التي لا تزال أسعارها مرتفعة رغم انخفاض أسعار الحبوب عالميا، مما يطرح علامات استفهام حول مدى استفادة الكساب الصغير من الدعم الحكومي المخصص للأعلاف، والذي يبدو أنه يتبخر في دهاليز المضاربة قبل وصوله إلى المعلف.
إن الاعتماد على الاستيراد لتغطية الخصاص وتهدئة الأسعار لم يحقق النتائج المرجوة بشكل كامل، إذ يرى مهنيون أن الأغنام المستوردة غالبا ما تذهب لتموين المساحات التجارية الكبرى أو المذابح الصناعية، ولا تؤثر بشكل مباشر على خفض سعر الأغنام المحلية الذي يفضلها المغاربة.
إن الاستمرار في تبرير الغلاء بالظروف الدولية وحدها بات ورقة محترقة، خاصة حين نرى تماطلا في خفض أسعار المحروقات محليا عند تراجعها عالميا، مما يعزز فرضية وجود هيمنة لشركات التوزيع التي ترفض التنازل عن هوامش ربحها ولو على حساب السلم الاجتماعي.
وأمام هذا الوضع، لم يعد كافيا إطلاق وعود بتطمين الأسواق، بل أضحى من الضروري التدخل الجذري لضبط مسارات النقل وتقليص عدد الوسطاء، مع فرض سقف لأسعار المحروقات الموجهة للمهنيين الفلاحيين، لضمان ألا يتحول العيد من شعيرة دينية مقدسة إلى أزمة معيشية تكرس التفاوت الطبقي وتفرغ جيوب المغاربة من آخر مدخراتهم.
