موريتانيا والخليج.. براغماتية دبلوماسية بين حسابات المصالح واختبار المواقف
جريدة النهضة: مقال رأي
مشكات رضوان
تثير الدبلوماسية الموريتانية في المرحلة الأخيرة نقاشا متزايدا حول طبيعة تموضعها في ظل الاستقطاب الإقليمي المتصاعد، خصوصا مع احتدام التوتر بين دول الخليج وعودة الحديث عن الدور الإيراني في المنطقة، وبين من يرى أن نواكشوط تتجه نحو سياسة أكثر براغماتية، ومن يعتقد أنها تميل إلى الغموض المفرط، يبقى المؤكد أن السياسة الخارجية الموريتانية أصبحت أكثر حذرا وأقل اندفاعا في إعلان المواقف، وهو ما يعكس طبيعة التحديات التي تواجه دولة ذات إمكانات محدودة في بيئة دولية معقدة.
من الواضح أن العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة تمثل أحد أهم أعمدة التوازن في السياسة الخارجية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الدعم الاقتصادي أو التعاون السياسي، هذا المعطى يجعل أي قرار دبلوماسي حساسا بالنسبة لنواكشوط، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا قد تفسّر على أنها معاكسة لمصالح أبوظبي. وفي المقابل، تحتفظ موريتانيا بعلاقات تاريخية مع المملكة العربية السعودية، ما يفرض عليها هامشا ضيقا للمناورة عندما تتباين مواقف العواصم الخليجية.
هذا التوازن الصعب ظهر بوضوح في مواقف موريتانيا الأخيرة من التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، فبينما سارعت عدة دول عربية إلى إصدار بيانات إدانة للهجمات التي استهدفت أراضي خليجية في فترات سابقة ونسبت إلى إيران أو إلى جماعات مدعومة منها، فضلت نواكشوط اعتماد خطاب أقل حدة، أو التزام الصمت في بعض الأحيان، هذا الموقف فسر من قبل منتقدين على أنه تراجع عن مواقف مبدئية تتعلق باحترام سيادة الدول، في حين يرى آخرون أنه يعكس محاولة لتجنب الانخراط في صراع إقليمي لا تملك موريتانيا أدوات التأثير فيه.
التحليل الواقعي يشير إلى أن موريتانيا ليست في موقع يسمح لها بالدخول في اصطفافات حادة، خصوصا في ظل اعتمادها على الدعم الخارجي والاستثمارات الأجنبية. فالسياسة الخارجية للدول الصغيرة غالبا ما تقوم على مبدأ تقليل الخسائر أكثر من تحقيق المكاسب، وهو ما يفسر ميل نواكشوط إلى اعتماد لغة دبلوماسية مرنة، حتى في القضايا التي تبدو واضحة من الناحية القانونية أو السياسية.
غير أن هذا النهج لا يخلو من إشكالات، فالدبلوماسية التي تقوم على الغموض المفرط قد تضعف ثقة الحلفاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن الإقليمي أو مبدأ احترام السيادة، وكان من المتوقع، وفق مراقبين، أن تصدر موريتانيا مواقف أوضح في بعض المحطات التي شهدت توترا بين دول الخليج وإيران، ولو في إطار بيانات عامة تؤكد رفض الاعتداءات على أراضي الدول، دون الانخراط في صراع سياسي مباشر.
كما أن المقارنة مع مواقف سابقة، مثل أزمة قطر عام 2017، تظهر أن نواكشوط كانت أكثر وضوحا في الاصطفاف آنذاك، حين قطعت علاقاتها مع الدوحة انسجاما مع الموقف الخليجي آنذاك. أما اليوم، فيبدو أن الحسابات أصبحت أكثر تعقيدا، مع تشابك المصالح وتعدد الشركاء وتراجع قدرة أي طرف على فرض موقف موحد على حلفائه.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن التحولات في السياسة الخارجية الموريتانية تعكس أيضا تغيرا في الأولويات. فالقضايا الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتأمين الدعم المالي، أصبحت في مقدمة الاعتبارات، وهو ما يدفع صناع القرار إلى تجنب المواقف التي قد تكلف البلاد خسارة شريك مؤثر. وفي هذا السياق، تبدو البراغماتية خيارا مفهوما، لكنه يظل بحاجة إلى توازن يحافظ على الحد الأدنى من الوضوح في القضايا المرتبطة بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.
الانتقادات الموجهة للحكومة الموريتانية لا تتركز على اختيار الحياد بقدر ما تتركز على طريقة إدارته، فالحياد في السياسة الخارجية قد يكون قوة إذا كان مبنيا على رؤية واضحة، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا بدا وكأنه تردد أو غياب موقف. وفي بيئة إقليمية تتسم بالحساسية، قد يؤدي الغموض الطويل إلى تقليص هامش الثقة، سواء لدى الحلفاء أو لدى الرأي العام الداخلي.
في المحصلة، تبدو موريتانيا اليوم أمام معادلة دقيقة، الحفاظ على علاقاتها القوية مع شركائها الخليجيين، وتجنب الدخول في صراعات إقليمية، وفي الوقت نفسه عدم الظهور بمظهر الدولة التي تتخلى عن مواقفها المبدئية، نجاح هذا التوازن سيحدد إلى حد كبير مكانة نواكشوط في المرحلة المقبلة، ويكشف ما إذا كانت البراغماتية الحالية تعبيرا عن حنكة دبلوماسية، أم عن حذر مفرط قد يكلفها على المدى البعيد.
