جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

موريتانيا.. إغلاق الحدود أمام التهريب أم بداية حرب اقتصادية؟

جريدة النهضة: مقال رآي

مشكات رضوان

نواكشوط تتشدد على المعابر الحدودية لحماية السوق المحلية وسط مخاوف من تداعيات الأزمة الشرق الأوسطية

 

أطلقت السلطات الموريتانية، بتوجيهات رئاسية مباشرة من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، عملية تشديد أمني شاملة على جميع المعابر الحدودية، تستهدف وقف تدفق المواد الغذائية نحو الخارج، في خطوة وصفتها بأنها ضرورية لحماية الأمن الغذائي المحلي، لكنها فتحت الباب أمام تساؤلات حول الأبعاد الحقيقية لهذا القرار وتوقيته الحساس.

 

فقد أصدر الرئيس الغزواني توجيهاته الصارمة خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم 4 مارس الجاري، بفرض إجراءات استثنائية على نقاط العبور الحدودية بمختلف أنواعها، وأمس شرعت قوات الأمن الموريتانية في تطبيق هذا القرار بحزم، حيث باشرت عمليات تفتيش دقيقة وصارمة للمركبات والمسافرين، مع منع كامل لتصدير أي مواد غذائية سواء كانت محلية الإنتاج أو مستوردة، وبررت الحكومة الموريتانية الإجراء بالحاجة الملحة لضمان توفر المنتجات الأساسية في السوق المحلية وبأسعار معقولة، وسط مؤشرات على ارتفاع الضغوط التضخمية على الأسواق المحلية.

لكن القرار الموريتاني يكتسب بعدا أمنيا واقتصاديا أعمق عند النظر إليه من منظور مكافحة التهريب والتحكم في سلاسل الإمداد الإقليمية، فقد كانت الأراضي الموريتانية تشهد عبور كميات ضخمة من المنتجات الفلاحية المغربية، خاصة الخضروات والفواكه، نحو الدول المجاورة، حيث تجد هذه السلع طريقها عبر شبكات توزيع معقدة تستهدف الأسواق الإقليمية المختلفة، هذا الخط التجاري كان يمثل حلقة قوية في سلسلة التهريب المنظمة، حيث يستفيد منها تجار ومهربون بدعم من شبكات عابرة للحدود، وأصبحت هذه المنتجات بمثابة عملة تجارية موازية تؤثر على التوازن الاقتصادي والأمني للمنطقة برمتها.

غير أن توقيت هذا القرار الموريتاني لا يخلو من الدلالات الجيوسياسية الكبرى، فالمنطقة تعيش حالة من التوتر الإقليمي المتصاعد، خاصة في ضوء الحرب المستمرة في الشرق الأوسط وتداعياتها على التجارة الدولية، وقد بدأت هذه التداعيات تظهر على السطح بقوة مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو ثلث التجارة البحرية العالمية.

هذه الضغوط العالمية قد تكون بمثابة الجرس الذي أنذر نواكشوط بأهمية تأمين موارد غذائية محلية وتشديد السيطرة على الحدود قبل أن تنقطع خطوط التوريد الدولية كلياً، السياق الإقليمي الحساس قد يفسر أيضاً القسوة والسرعة التي طبقت بها موريتانيا قرارها، دون انتظار لفترة انتقالية تسمح لشركائها الإقليميين بإعادة تنظيم استراتيجياتهم التجارية.

المراقبون يحذرون من أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات المضادة من دول أخرى في المنطقة، كما قد يشجع دول إقليمية أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة لحماية أسواقها المحلية ومكافحة التهريب عبر حدودها.

من جهتها، ستضطر شبكات المهربين والتجار الذين اعتمدوا على هذا الطريق لعقود إلى البحث عن بدائل جديدة وأسواق جديدة، ما قد يؤدي إلى إعادة تنظيم كامل للخرائط التجارية غير الرسمية في المنطقة، بعض التقارير تشير إلى أن هذه الشبكات قد تحاول استخدام معابر بديلة أو طرق أكثر خطورة، ما قد يزيد من التوترات الأمنية.

وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبرز إشكالية جوهرية.. هل تمثل خطوة نواكشوط مبادرة استباقية ذكية للتحكم في الأمن الغذائي والأمني في أوقات الأزمات الإقليمية والدولية، أم أنها ستفجر صراعات تجارية وأمنية مع الدول المجاورة قد تهدد الاستقرار الإقليمي برمته، وهل ستكون المنطقة قادرة على إيجاد توازن يضمن الأمن الغذائي والاقتصادي للجميع قبل أن تتفاقم التوترات بشكل لا يمكن السيطرة عليه؟