الكويرة ليست مشروع توسع بل استكمال لسيادة مؤجلة
جريدة النهضة: مقال رآي
هيئة النشر والتحرير
ليست الكويرة مجرد بقعة جغرافية على خريطة جنوب المملكة، بل هي ترمز إلى استكمال وحدة المملكة الترابية وتجسيد إرادة الدولة في فرض سيادتها الكاملة على كل شبر من أراضيها، عندما تحدث الملك محمد السادس في خطابه الملكي في 31 أكتوبر 2025 عن “المغرب من طنجة إلى الكويرة”، لم يكن يتحدث عن مجرد حدود جغرافية، بل عن عقيدة سيادية وطنية لا تقبل النقاش أو التنازل، إنه إعلان واضح عن انتهاء عصر التدبير الهادئ والدخول إلى عصر الحسم والفعل الميداني.
تحتل الكويرة موقعا استراتيجيا حساسا في أقصى جنوب المملكة، وتمتد على شواطئ المحيط الأطلسي بموقع يجعلها نقطة تحكم جيوسياسية متقدمة نحو إفريقيا، كانت المدينة في السبعينيات مركزا تجاريا وعسكريا مهما، تضم تحتيتة حديثة من مدرسة ومستشفى ومركز بريد وبنك وميناء، غير أنها شهدت إخلاءات متعددة الأسباب لحقب زمنية طويلة.
لكن المغرب لم ينس، والدولة لم تتوقف يوما عن التأكيد على سيادتها الكاملة على هذه الأراضي، وهو حق تاريخي وقانوني أكدته وثائق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية.
الدليل على هذه السيادة واضح من عدة جوانب، فالمغرب يمارس سيطرته الإدارية الكاملة على المدينة، حيث تندرج تحت إقليم أوسرد كجماعة حضرية تابعة لمنطقة الداخلة وادي الذهب، وتشارك سكانها في الاستحقاقات الانتخابية الوطنية، وتنتخب رؤساءها ومجالسها الجماعية كسائر جماعات المملكة، وبعد عملية الكركارات التاريخية في 13 نوفمبر 2020، حيث تدخلت القوات المسلحة الملكية لتأمين الطريق البري بين المغرب وموريتانيا وطرد عناصر جبهة البوليساريو، أعاد المغرب رسم خريطة الجدار الأمني بشكل نهائي ومحكم، مما أخرج الكويرة نهائيا من المنطقة العازلة.
والآن، وفي سياق استراتيجي جديد، يتجه المغرب نحو استثمار هذه السيادة في مشاريع تنموية حقيقية، فقد أعلنت الدولة عن خطة شاملة لتطوير منطقة الداخلة وصولا إلى الكويرة، تتضمن إنشاء ميناء استراتيجي برعاية دولية، ومشاريع اقتصادية وسياحية من شأنها تحويل هذه النقطة الجغرافية إلى محرك تنمية إقليمي حقيقي، هذه الخطة ليست خطة فراغية أو تنظيرية، بل هي خطة واقعية قائمة على دراسات متقدمة وشراكات دولية موثوقة، وتعكس إصرارا مغربيا على تحويل السيادة الاسمية إلى حضور حي وفاعل على الأرض.
قد يثير مشروع تطوير الكويرة بعض الحساسيات الإقليمية، خاصة من جانب الجار الموريتاني القريب، وهذا مفهوم تماما. لكن الحقيقة التاريخية والقانونية لا تقبل اللبس.. الكويرة مغربية بموجب القانون الدولي والمعاهدات الثنائية. وموريتانيا نفسها، عبر أرشيفها الدبلوماسي، أقرت بهذا الحق، إن تطوير أرضك الخاصة ليس عملا عدائيا بل هو حق سيادي طبيعي.
والمغرب، في حرصه على العلاقات الإقليمية، بإمكانه دائما الانخراط في حوار بناء مع موريتانيا لشرح أن هذه المشاريع ستسهم في تنمية المنطقة برمتها، وليست موجهة لتهديد أي جار.
البعد الجيوسياسي للمشروع واضح أيضا، تمثل الكويرة حلقة وصل حيوية في المبادرة الأطلسية التي أطلقها جلالة الملك لربط المملكة بقارة إفريقيا، وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ الجيوسياسي والتحكم في طرق التجارة البحرية، فإن امتلاك ميناء حديث وآمن في نقطة استراتيجية كهذه يعني تعزيز موقع المغرب الإقليمي وقدرته على اللعب دورا محوريا في التوازنات الدولية.
لا يمكن فصل قضية الكويرة عن السياق الأوسع للصراع الاقليمي، ففي الوقت الذي تحاول فيه جبهة البوليساريو والجزائر المراهنة على تجزئة المغرب وتقويض وحدته الترابية، فإن خطوات مثل إعادة إعمار الكويرة وتطويرها تشكل ردا قاطعا على هذه الطموحات، إنها طريقة عملية وملموسة للقول إن المغرب لا ينوي التنازل عن شبر واحد من أراضيه، وأنه عازم على تعزيز حضوره الميداني على طول كامل حدوده.
من المهم الإشارة أيضا إلى أن هذا المشروع ليس مجرد سياسة انتقامية أو إجراء دفاعي، بل هو استثمار حقيقي في المستقبل، فالكويرة قد تصبح محركاً للنمو الاقتصادي لا لمحيطها الجغرافي فحسب، بل للمملكة برمتها، ميناء حديث، منطقة لوجستية فاعلة، استثمارات سياحية وصناعية، كل هذا يمكن أن يفتح فرصا اقتصادية جديدة ويخلق فرص عمل لآلاف أبناء المنطقة، إنها لا تقل أهمية عن الأبعاد الأمنية والسيادية.
إن استكمال السيادة المغربية على الكويرة من خلال إعادة إعمارها الفعلية يمثل نقطة تحول في مسار الدولة المغربية، إنه انتقال من الإدارة الحذرة والهادئة للنزاع إلى التدخل الميداني الحازم والفعل الاستراتيجي، وهذا يرسل رسالة واضحة إلى جميع الأطراف.. أن المغرب دولة قوية، واثقة من حقوقها، ومصممة على تحقيقها بدون استعجال لكن بدون تنازل أو مساومة، من طنجة إلى الكويرة، هذا هو المغرب الموحد الذي يفرض سيادته الكاملة على كل شبر من أراضيه.
