جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

هلال واحد… وقراران.. حين يصبح رمضان ساحة صراع بين المغرب والجزائر وتأثيره على وحدة المسلمين في فرنسا

جريدة النهضة: مقال رآي

مشكات رضوان: رئيس هيئة التحرير والنشر

في العاصمة الفرنسية، حيث تعيش ما يزيد على ستة ملايين مسلم من شتى الأصول والمرجعيات، كان المنتظر أن يكون إعلان دخول شهر رمضان المبارك لعام 1447 هـ لحظةً للتوحد والفرحة المشتركة.

غير أن ليلة الثلاثاء حملت بدلاً من ذلك صورةً مألوفة في مشهدها، مثيرةً في دلالاتها.. بيانان متناقضان، ومؤسستان دينيتان تتحدثان بصوتين مختلفين، وجالية مسلمة في حيرة من أمرها بين مائدتَي إفطار باتت لا تتشاركان الموعد.

أعلن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في بيانه الرسمي أن الخميس التاسع عشر من فبراير هو أول أيام رمضان، مستنداً إلى بيانات علمية تؤكد تعذّر رؤية الهلال قبل مساء الأربعاء الثامن عشر منه، إذ أكد المجلس أن ولادة الهلال ستحدث يوم الثلاثاء على الساعة الأولى وواحدة دقيقة بتوقيت باريس، وأن شروط رؤيته لن تتوفر إلا في اليوم التالي.

في المقابل، غرّدت إدارة مسجد باريس الكبير خارج هذا السرب، معلنةً أن الأربعاء هو أول أيام الشهر الفضيل، بناءً على اجتماع لجنتها الدينية ومراجعتها للمعطيات الفلكية، وهو ما وضع العائلات المسلمة أمام خيار لم يطلبه أحد.. اتباع “العلم والتمثيلية” أو الوفاء لـ”الرمزية التاريخية للمسجد العريق”.
سارع كثير من المراقبين إلى التأكيد على أن ما جرى ليس مجرد تباين تقني في قراءة بيانات القمر.

فمسجد باريس الكبير، ذلك الصرح التاريخي الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي وتديره الجزائر منذ عقود، يجد نفسه اليوم في مواجهة مؤسسة تمثيلية أحدث عهداً لكنها تحمل شرعية انتخابية وتعتمد على أدق وسائل العلم الحديث.

فرئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يُنتخب ديمقراطياً، بينما يُعيَّن رئيس مسجد باريس مباشرة من طرف الجزائر، وهو ما دفع بعض المحللين إلى وصف هذا الانقسام بأنه “مباراة سياسية” حول من يملك سلطة القرار الديني للجالية المسلمة في فرنسا، لا نقاش فقهياً حول أفضل طرق إثبات الشهر.

والمفارقة المؤلمة أن الجاليتين المغربية والجزائرية، اللتين تتشاركان الشوارع والأحياء وأماكن العمل طوال العام، تحتفلان برمضان بطقوس متشابهة في الروح وإن اختلفت في التفاصيل، لكنهما باتتا لا تتشاركان حتى موعد الصيام الأول.

وهكذا امتد الخلاف المغاربي العتيق إلى ما هو أبعد من الملاعب والحدود والمنابر، ليطرق أبواب البيوت في ساعة السحور ويُلقي بظلاله على أذان الفجر.
يحذر خبراء الشأن الديني من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الثقة بالمؤسسات الدينية الرسمية، وتعميق التجاذبات الإقليمية داخل النسيج المجتمعي الفرنسي، فضلاً عما يُخلّفه من صعوبات عملية في تنظيم الأعياد والمناسبات بالتنسيق مع السلطات المحلية والمؤسسات العامة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الحل لن يأتي من السماء بهلال يُرضي الجميع، بل من إرادة سياسية ودينية صادقة لبناء مرجعية إسلامية فرنسية مستقلة عن الأجندات والتأثيرات الخارجية، تخدم وحدة المسلمين في الجمهورية بدلاً من أن تعكس توترات ما وراء البحار.

في رمضان 1447 هـ، تضع باريس مرآةً جديدة أمام المسلمين في الغرب.. الخلافات الجيوسياسية لا تقف عند الحدود ولا تهدأ بحلول المواسم المقدسة، بل إنها تتسلل إلى أعمق تجليات الروح وأصفى لحظات الإيمان.

وبينما يُفطر فريق مساء الأربعاء ليبدأ صيامه في الفجر التالي، ينتظر فريق آخر حتى مغرب الخميس ليُطلق دعاءه الأول. والسؤال الذي لن يجيب عنه علم الفلك وحده: متى سيصوم مسلمو فرنسا يوماً واحداً… وبقرار واحد؟