الداخلة.. عندما تهدر الملايين على موائد البدخ وسط حاجة الساكنة إلى التنمية
جريدة النهضة: مقال رآي
هيئة التحرير والنشر
في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بترشيد النفقات العمومية وتوجيهها نحو الأولويات الحقيقية للمواطنين، يثير قرار مسؤول جماعة الداخلة، بتخصيص ما يقارب 200 مليون سنتيم لإطعام ضيوف الجماعة، موجة عارمة من الانتقادات اللاذعة من متتبعي الشأن المحلي بالمدينة، الذين يرون في هذا الإنفاق الباذخ تبذيرا فاضحا للمال العام.
ليس الأمر مجرد تخصيص ميزانية للإطعام، بل إن التفاصيل التي كشفتها الوثائق التقنية للصفقة والتي كشفتها عدة مصادر إعلامية، تظهر مستوى من البذخ يصعب تبريره في مدينة تعاني من فوارق اجتماعية صارخة وبنية تحتية لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب.
فالقائمة تضم لانغوست، كالامار، خرفان مشوية كاملة، “سلطة ملكية”، وحلويات فاخرة، ضمن موائد “غالا” بمواصفات فندقية من فئة خمس نجوم، السؤال المشروع الذي يطرحه المواطنون هو لماذا هذا البدخ الزائد؟ ألا يمكن استقبال الضيوف بوجبات لائقة ومناسبة بتكلفة معقولة؟ هل تحتاج الجماعة حقا إلى إنفاق 200 مليون سنتيم على طعام فاخر، أم أن هناك بدائل أكثر عقلانية واقتصادية تحفظ ماء الوجه وتحترم المال العام؟
المفارقة المؤلمة أن الداخلة، رغم مواردها الاقتصادية الضخمة وموقعها الاستراتيجي، لا تزال تعاني من مشاكل تنموية جوهرية، فالبنية التحتية، رغم صرف الملايير على مشاريع التهيئة، لم تحقق القفزة النوعية المنتظرة، الفوارق الاجتماعية تتعمق، والأحياء الهامشية تشهد على تراجع الخدمات الأساسية، بينما تنفق مبالغ طائلة على موائد احتفالية قد لا تخدم سوى فئة محدودة.
كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ بين الإنفاق على الرخاء البروتوكولي وبين احتياجات ساكنة تنتظر تحسين ظروف عيشها؟ كيف يمكن لمسؤول جماعي أن يوقع على صفقة بهذا الحجم دون أن يفكر في الأولويات الملحة كالسكن الاجتماعي والصحة والطرق والنظافة؟
تضاف هذه الصفقة المثيرة للجدل إلى سلسلة من التساؤلات حول توزيع الصفقات العمومية بالداخلة، فالانتقادات التي يرددها متتبعون محليون تشير إلى أن معايير الشفافية والتنافسية النزيهة غالبا ما تغيب عن المشهد، لتحل محلها محسوبية توجه العقود نحو المقربين والمنتسبين للحزب الحاكم، دون مراعاة حقيقية للكفاءة أو الجودة أو المصلحة العامة.
هذا النهج يفقد المال العام قيمته التنموية، ويحوله إلى أداة لترسيخ شبكات المصالح الضيقة، بدلا من أن يكون رافعة للتنمية الشاملة والعادلة.
ما نراه ونسمعه من الداخلة اليوم يدق ناقوس الخطر، إذ أن مدينة بهذه الإمكانيات وبهذا الموقع الجيوستراتيجي لا يمكن أن تبقى رهينة لسياسات تبذيرية وخيارات مالية غير مسؤولة.
سكان المدينة يطالبون بشفافية كاملة في تدبير ميزانية الجماعة، المسؤولية لا تقتصر على الشخص وحده، بل تمتد إلى كل من يشارك في اتخاذ هذه القرارات، ومن يصوت عليها، ومن يسكت عنها، لأن الصمت على التبذير تواطؤ، والتساهل في الرقابة خيانة للأمانة.
إن ما تحتاجه الداخلة اليوم ليس موائد فاخرة ولا احتفاليات بروتوكولية، بل سياسة تنموية جادة تضع المواطن في صلب اهتماماتها، نحتاج إلى استثمار عقلاني في البنية التحتية، في التعليم، في الصحة، وفي دعم السكن الاجتماعي للفئات الهشة، و خلق فرص الشغل، وليس في إطعام الضيوف بأطباق تفوق قدرة المواطن العادي على تحمل تكلفتها.
الحكامة الجيدة تقاس بمدى ارتباط النفقات بالحاجيات الحقيقية، وبقدرتها على إحداث أثر اجتماعي ملموس، والداخلة، قبل أن تكون مدينة “ضيافة فاخرة”، يجب أن تكون مدينة تنمية وعدالة اجتماعية وخصوصا في الصفقات الاستثمارية في المشاريع المحلية.
إن استمرار هذا النهج التبذيري لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المسؤولين والمواطنين، وإلى تكريس شعور بالظلم وانعدام الثقة في المؤسسات المحلية، والخطر الأكبر هو أن تتحول الداخلة، بدلا من أن تكون نموذجا تنمويا، إلى مثال على سوء التدبير وفوضى الإنفاق العمومي.
الكلمة الأخيرة يجب أن تكون للرقابة، والمساءلة، ستبقى الداخلة تدفع ثمن اختيارات خاطئة، وستظل بعيدة عن أن ترقى إلى مصاف المدن الكبرى التي تستحقها.

