ماكرون في مدريد.. حين يتحول التضامن إلى توصيف غير موفق
جريدة النهضــة – مشكات رضــوان
لم يكن وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أحداث سبتة المحتلة بأنها “هجوم” تعرضت له إسبانيا مجرد زلة لسان في مؤتمر صحافي بروتوكولي. هذا توصيف سياسي كامل الأركان، قيل في مدريد وإلى جانب بيدرو سانشيز، وفي لحظة تبحث فيها العواصم الأوروبية عن رواية موحدة لما جرى يومي 30 و31 يوليوز، حين عبر نحو 80 ألف شخص نحو المدينة المحتلة وفق ما نقلته وسائل إعلام. ولهذا يستحق الأمر نقاشا جادا لا يكتفي بردود الفعل العاطفية.
مأساة ما جرى لا جدال فيها، فقد تحدث ماكرون عن وفاة 141 شخصا، وهو رقم يستدعي الوقوف عنده بإنسانية وصدق. فمفردة “الهجوم” تفترض مهاجما، وحين يتحدث الرئيس الفرنسي عن “هجوم خارجي متعدد الأوجه”، تذهب القراءات مباشرة إلى الضفة الجنوبية للمضيق، سواء أراد ذلك أم لم يرده.
والمفارقة أن ماكرون نفسه يعود في الخطاب ذاته إلى الإشادة بالتعاون مع السلطات المغربية في إعادة المهاجرين، ويقول إن العمل المشترك يسير بشكل جيد. فكيف يكون الطرف نفسه شريكا يشاد بعمله وموضع إيحاء بالاتهام في آن واحد؟ ثم إن الرئيس الفرنسي يحذر من الاتهامات العلنية والمقاربات التبسيطية، ثم يختار توصيفا هو أبسط المقاربات وأكثرها إيحاء بالاتهام.
أما الحديث عن “هجمات معلوماتية” استغلت بؤس الناس، فهو يلامس جانبا حقيقيا من ظاهرة الهجرة الرقمية، لكنه يحول المسؤولية من سؤال جوهري إلى سؤال ثانوي، فالسؤال الحقيقي هو لماذا يرى عشرات الآلاف أن المخاطرة بالحياة أهون من البقاء، وماذا فعلت أوروبا لمعالجة جذور هذا الدافع غير تمويل المراقبة. وهذه مسؤولية مشتركة لا تحل بنقل العبء إلى جهة واحدة.
وفي خلفية هذا الموقف يقف سؤال أعمق عن اتساق السياسة الفرنسية، فباريس التي دعمت علنا في 2024 مخطط الحكم الذاتي أساسا وحيدا لحل قضية الصحراء، واستقبل رئيسها استقبالا رسميا في الرباط في أكتوبر من العام نفسه، تعرف أن علاقتها بالمغرب تقوم على الاحترام المتبادل لا على الوصاية.
ولا يخفى أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية مدينتين محتلتين، وأن استعمال قاموس الاعتداء حين يتعلق الأمر بعبور باتجاه المدينتين يضع الموقف الفرنسي في مواجهة حساسية تاريخية لا تحتاج إلى تذكير.
ولا يمكن أن ننسى أن مدريد نفسها اضطرت في مارس 2022 إلى مراجعة موقفها من قضية الصحراء بعد أزمة مايو 2021، حين وصف سانشيز مبادرة الحكم الذاتي بأنها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية. وهذا درس في أن الأزمات مع الرباط تحل بالحوار والاحترام المتبادل لا بالتصعيد اللفظي.
ثم إن الانحياز إلى الرواية الإسبانية لا يخدم مصلحة فرنسا نفسها، فباريس تعيش تراجعا ملحوظا لنفوذها في الساحل الإفريقي بعد انسحابها من عدة دول، وهي في أمس الحاجة إلى شركاء موثوقين في القارة.
والمغرب أحد أهم هؤلاء الشركاء. وإذا صح ما تناقلته بعض المنابر عن احتمال تأثر زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، فإن ثمن عبارة واحدة قد يكون أكبر بكثير من مكسبها الظرفي لدى الحكومة الإسبانية. ولم يصدر حتى الآن موقف رسمي مغربي من التصريحات، وفي هذا الصمت ما يدل على أن الرباط تفضل الحكمة على المزايدة.
يبقى أن الهجرة قضية أوروبية إفريقية مشتركة لا يمكن حلها بتبادل التوصيفات، فتحميل جهة واحدة مسؤولية تدفق بشري معقد، أو إلباسه لباس الاعتداء، لن يوقف قوارب ولا عبورا جماعيا، والتضامن الأوروبي مشروع بين أعضاء الاتحاد، لكن حين يتحول إلى لغة تصعيدية تجاه شريك يطلب منه في الوقت نفسه التعاون، فإنه يفقد جزءا من قوته ومصداقيته.
