سوق الماشية بالعيون.. دروس قاسية من واقعة الانسياق خلف شعارات المقاطعة الرقمية
جريدة النهضة: هيئة التحرير والنشر
شهدت أسواق الماشية بمدينة العيون مع حلول أول أيام عيد الأضحى حالة من التذمر والاستياء الشديدين بين أوساط واسعة من الأسر، بعدما وجد مئات المواطنين أنفسهم عاجزين عن اقتناء الأضحية في الأيام القليلة التي سبقت العيد.
وجاءت هذه الأزمة نتاج تظافر عوامل عدة، أبرزها الارتفاع القياسي والمنحى التصاعدي الفجائي للأسعار، والندرة الحادة في العرض مقابل طلب متزايد فاق كل توقعات الكسابة والمهنيين على حد سواء، مما وضع القدرة الشرائية للمواطن المحلي في محك حقيقي أمام محدودية الخيارات المتاحة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي بالمدينة أن هذه الأزمة لم تكن وليدة الصدفة، بل ارتبطت بشكل وثيق بحملات رقمية مكثفة اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، لاسيما موقع “فيسبوك”، خلال الأسابيع الماضية تحت وسم “#خليه_يبعبع”.
ودعت هذه الحملات المستهلكين إلى مقاطعة الشراء المبكر وتأجيل اقتناء الأضاحي إلى الأيام والساعات الأخيرة، تحت مبرر الضغط على المضاربين والوسطاء، والرهان على تراجع الأسعار مع فائض المعروض.
غير أن واقع حركية السوق سار في اتجاه معاكس تماما لتلك التقديرات الافتراضية، ليتحول الترقب إلى صدمة وخيبة أمل جماعية.
وعرف سوق الماشية بالمدينة خلال الساعات الأخيرة التي سبقت العيد طفرة سعرية غير مسبوقة، تزامنت مع تقلص حاد واختفاء تدريجي لرؤوس الأغنام والماعز المعروضة.
ولم تفلح الشاحنات المحدودة التي وفدت على المدينة في سد الخصاص المهول أو تلبية الطوابير الطويلة من المواطنين الذين توافدوا في اللحظات الأخيرة، مما خلق أجواء مشحونة بالتوتر والاستياء، وندما دفينا لدى فئات عريضة راهنت على “الخطابات الافتراضية” وتخلت عن منطق التدبير القبلي المعتاد لمتطلبات هذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
وفي قراءة ميدانية لواقعة هذا العام، يعزو المهنيون والكسابة تراجع العرض ونفاد الأضاحي السريع إلى الإقبال المكثف غير المعلن الذي شهده السوق في فترات سابقة، ومحدودية القطيع المتوفر محليا، فضلا عن الصعوبات اللوجستية المرتبطة بجلب إمدادات إضافية كافية لتغطية الطلب الاستثنائي في جغرافيا ديمغرافية خاصة كالعيون.
وأشار هؤلاء إلى أن الإشاعات المتواصلة حول وصول دفعات وشاحنات جديدة أسهمت في تضليل المستهلكين وتغذية حالة الانتظار السلبي، بينما كان المخزون الفعلي يتجه نحو النفاد الكامل وسط تنافس محموم بين المشترين.
وتفتح هذه التطورات غير المتوقعة باب النقاش واسعا حول خطورة المنساقية الجماعية خلف دعوات وتوجيهات رقمية صادرة عن صناع محتوى أو مدونين يفتقرون للمؤشرات العلمية والمعطيات الميدانية المرتبطة بآليات السوق ومعادلة العرض والطلب.
كما أنها تعيد إلى الواجهة التساؤلات العميقة حول حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للمنصات الرقمية وتأثيرها المباشر على سلوك المستهلك وتوازناته المعيشية، مما يستوجب مراجعة نقدية جماعية لطريقة التعاطي مع القضايا الحيوية التي تهم الأمن الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطنين، بعيدا عن العبث الافتراضي وشعارات المقاطعة غير المدروسة.

