سوق الإعلام بالصحراء … عروض مفتوحة لمن يدفع أكثر ! فمن يشتري؟
جريدة النهضة
بقلم : كريم تكنزا
لم يعد السؤال اليوم.. كيف تشتغل الصحافة الجهوية بالصحراء؟ بل أصبح أكثر حدة ومرارة .. كيف تصمد أصلاً؟
ففي مشهد إعلامي يزداد بؤساً وهشاشة، تجد المقاولات الصحفية بالصحراء نفسها عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ .. إما الاستقلال مع الإفلاس، أو الارتهان مع الاستمرار.
في الأقاليم الجنوبية، حيث يفترض أن تكون الصحافة شريكاً أساسياً في الدينامية التنموية والتسويق الترابي، انقلبت المعادلة بشكل صادم.. غياب الإشهار المؤسساتي والموارد القارة لم يترك للعديد من المنابر سوى طرق باب واحد .. باب السياسيين وبعض المقاولين النافذين.. وهنا تبدأ القصة المؤلمة… قصة إعلام يُطلب منه أن يتحول من سلطة رابعة إلى آلة تلميع.
لم تعد بعض المنابر تكتب لتنوير الرأي العام، بل لتلميع صور باهتة، وتضخيم إنجازات هشة، وصناعة بطولات وهمية… ليس عن اقتناع، بل تحت ضغط الحاجة.. فحين يصبح البقاء مرهوناً بـالرضى الممول، تتحول الخطوط التحريرية إلى أوراق تفاوض، وتتحول الحقيقة إلى سلعة قابلة للتأجيل أو التحوير.
الأخطر من ذلك، أن الصحافة التي تحاول السباحة عكس التيار وتتمسك بنقد الواقع وفضح الاختلالات، تجد نفسها محاصرة من كل الجهات .. خنق مالي، إقصاء من الإشهار، وضغوط غير مباشرة تتخذ أحياناً شكل “مكالمات هاتفية” تحمل في طياتها رسائل واضحة .. إما الاصطفاف والعيش بكرامة… أو العزلة والمهانة.
ورغم الحديث المتكرر عن مشاريع واستثمارات كبرى في الصحراء، إلا أن هذا الزخم لم ينعكس على الإعلام المحلي.. بل على العكس، يبدو أن الإشهار الذي يعد بمثابة شريان الحياة لأي مؤسسة إعلامية.. أصبح أداة انتقائية تُمنح وفق منطق الولاء لا المهنية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الإعلام الجهوي في معادلة التنمية.
أما الهيئات والتنظيمات التي يفترض أن تدافع عن القطاع، فقد اختارت في كثير من الأحيان الصمت أو التواطؤ .. بياناتها وخرجاتها لا تتجاوز حدود اللغة الخشبية، وتحركاتها لا تلامس عمق الأزمة، وكأن ما يحدث لا يعنيها.. والنتيجة هي قطاع ينزف في صمت، ومقاولات إعلامية تتهاوى واحدة تلو الأخرى، وبعضها يواجه شبح الإغلاق أو المصادرة بسبب تراكم الديون والالتزامات الاجتماعية.
الصحافة بالصحراء اليوم ليست بخير … بل تقف على حافة الانهيار… وإذا استمر هذا النزيف، فإننا لن نخسر فقط مؤسسات إعلامية، بل سنفقد صوتاً كان ولا يزال خط الدفاع الأول عن قضايا الوطن من عمقه الجنوبي. فإما أن يُعاد الاعتبار للإعلام الجهوي كركيزة للتنمية والديمقراطية، أو سنستيقظ قريباً على صحراء بلا صحافة… وصوت بلا صدى.

