جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

العيون تدق ناقوس الخطر… تدخين القاصرين بين الغفلة الأسرية وخطر الإدمان

مشكات رضوان

لم تعد بعض المشاهد التي بدأت تتكرر في الفضاءات العامة بمدينة العيون، عاصمة الصحراء، مجرد سلوكيات عابرة يمكن تجاهلها، بل تحولت إلى مؤشرات مقلقة تدق ناقوس الخطر بشأن تحولات اجتماعية متسارعة تمس فئة القاصرين على وجه الخصوص. ففي المقاهي وبعض الأماكن التي يرتادها الشباب، أصبح من المألوف رؤية قاصرين يجلسون لساعات طويلة، يحمل أحدهم هاتفه الذكي في يد، وسيجارة مشتعلة في اليد الأخرى، في مشهد لم يكن مألوفا في مدينة عرفت لسنوات طويلة بتماسكها الأسري ومحافظتها على قيمها الاجتماعية الراسخة.

العيون التي ظلت لعقود عنوانا للاستقرار والأمن وقوة الروابط الاجتماعية، بدأت اليوم تواجه تحديات جديدة فرضتها التحولات السريعة التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى العمراني أو الاقتصادي أو الثقافي. ورغم أن هذا التطور حمل معه فرصا كبيرة، فإنه رافقته أيضا تغيرات في أنماط العيش والسلوك، بدأت تظهر بشكل واضح في تصرفات بعض القاصرين، وعلى رأسها انتشار التدخين في سن مبكرة داخل الفضاءات العامة.

هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الهدر المدرسي، حيث يجد عدد من التلاميذ الذين يغادرون مقاعد الدراسة أنفسهم في فراغ كبير يدفعهم إلى البحث عن أي وسيلة لملء الوقت، وغالبا ما تكون المقاهي هي الوجهة الأولى. ومع غياب أنشطة ترفيهية وثقافية موجهة للشباب، يصبح الجلوس الطويل في هذه الفضاءات أمرا عاديا، وتبدأ معه سلوكيات جديدة قد تكون خطيرة على صحتهم ومستقبلهم.

كما أن ضعف المتابعة الأسرية، وهو أمر بدأ يطرح نفسه في السنوات الأخيرة مع انشغال كثير من الآباء بالعمل وتغير نمط الحياة داخل المدينة، ساهم في تفاقم المشكلة. فالقاصر في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى توجيه دائم ومراقبة مستمرة، وعندما تغيب هذه المتابعة يصبح أكثر عرضة للتأثر بسلوكيات الأقران. وعندما يرى الشاب أن بعض أصدقائه يدخنون في المقاهي أو في الشارع، يشعر برغبة في تقليدهم لإثبات نفسه داخل المجموعة، وهو ما يؤدي إلى انتشار الظاهرة بشكل سريع.

ولا يمكن إغفال عامل آخر لا يقل أهمية، وهو سهولة حصول القاصرين على السجائر، إذ إن بعض المحلات لا تتردد في بيع التبغ لصغار السن رغم وجود قوانين تمنع ذلك، وهو ما يجعل المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والجهات المكلفة بالمراقبة. فترك هذه السلوكيات دون ردع واضح يفتح الباب أمام تفاقمها وتحولها إلى أمر عادي يصعب التحكم فيه مستقبلا.

الأضرار الصحية للتدخين في سن مبكرة معروفة وخطيرة، فالجسم في مرحلة النمو يكون أكثر حساسية للمواد الضارة، والتدخين يؤثر على الجهاز التنفسي والقلب، ويضعف المناعة، كما ينعكس سلبا على التركيز والذاكرة، وهو ما يؤثر مباشرة على التحصيل الدراسي.

وفي بيئة صحراوية قاسية مثل بيئة العيون، تصبح هذه التأثيرات أكثر خطورة، لأن الجسد يحتاج إلى قوة وتحمل أكبر لمواجهة ظروف المناخ. ولا تتوقف الأضرار عند الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي، حيث يرتبط التدخين المبكر في كثير من الحالات بالقلق وضعف الثقة بالنفس وتراجع الطموح، وهي مؤشرات تنذر بمستقبل غير مطمئن إذا لم يتم التعامل معها بجدية.

كان من الأجدر أن تتجه طاقات الشباب في هذه الحاضرة نحو ما يفيدهم ويفيد محيطهم، مثل القراءة والبحث العلمي واكتشاف مجالات المعرفة، أو ممارسة الرياضة التي تقوي الجسد وتعلم الانضباط، أو الانخراط في الأنشطة الثقافية والفنية التي تنمي الشخصية وتفتح آفاق المستقبل. فمدينة بحجم العيون، بما تعرفه من نمو وتطور، تحتاج إلى جيل واع وقوي وقادر على تحمل المسؤولية، لا إلى جيل يضيع وقته في عادات تضعف صحته وتحد من طموحه.

المسؤولية في مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية جماعية. فالأسرة مطالبة باستعادة دورها في التوجيه والمراقبة، والسلطات مطالبة بتطبيق القوانين التي تمنع بيع السجائر للقاصرين، والمؤسسات التعليمية والرياضية والثقافية مطالبة بتوفير فضاءات جاذبة للشباب، والإعلام المحلي مطالب بالاستمرار في تسليط الضوء على هذه السلوكيات والتنبيه إلى مخاطرها قبل أن تتحول إلى أمر عادي داخل المجتمع.

مدينة العيون تقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تحافظ على ما عرفت به من تماسك اجتماعي وقيم راسخة، وإما أن تترك بعض الظواهر الجديدة تتوسع حتى تؤثر في مستقبل جيل كامل. السيجارة في يد قاصر ليست مجرد تصرف فردي، بل مؤشر على خلل يحتاج إلى معالجة عاجلة، لأن حماية الأبناء اليوم هي الضمان الحقيقي لمستقبل المدينة غدا.