جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

موريتانيا والمراوغة الإقليمية.. بين الحياد المعلن وحسابات المصالح

جريدة النهضة: مقال رآي

هيئة التحرير والنشر

في خضم نزاع الصحراء، حيث تبدو الاصطفافات واضحة بين الأطراف الرئيسية، تبرز موريتانيا كحالة خاصة تتحرك في مساحة رمادية محسوبة، رافعة شعار “الحياد الإيجابي” في العلن، بينما تدير في العمق توازنا دقيقا بين المصالح والضغوط.

ففي الوقت الذي تصطف فيه الجزائر بشكل صريح إلى جانب جبهة البوليساريو الانفصالية، ويواصل فيه المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي وتوسيع شبكة دعمه الدولي، تختار نواكشوط مسارا ثالثا يقوم على الغموض المحسوب، بما يتيح لها الاستفادة من استمرار النزاع أكثر مما يدفعها إلى المساهمة الفعلية في حسمه.

منذ سنوات، أدركت موريتانيا أن بقاء النزاع دون حل نهائي يمنحها موقعا محوريا في المعادلة الإقليمية. فغياب تسوية شاملة يجعل منها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه.. فهي شريك تجاري حيوي للمغرب نحو العمق الإفريقي، وبلد يرتبط اجتماعيا وقبليا بمكونات صحراوية، كما أنها تحتفظ بعلاقات سياسية مع الأطراف الداعمة للطرح الانفصالي.

هذا التموقع يمنحها هامش مناورة واسعا، ويحولها إلى فاعل قادر على مخاطبة الجميع دون أن ينخرط كليا مع أي طرف.

ورغم اعترافها الرسمي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن موريتانيا لم تقطع جسور التعاون مع المغرب، بل عززت علاقاتها الاقتصادية والأمنية معه، خصوصا في ما يتعلق بحركية المعبر الحدودي والتنسيق في مواجهة تحديات الساحل.

هذا التناقض الظاهري بين الاعتراف السياسي والتعاون العملي يعكس براغماتية واضحة، حيث تقدم المصالح الوطنية على الاعتبارات الإيديولوجية، ويحافظ على توازن يسمح بتفادي القطيعة مع أي طرف.

في المقابل، تتبنى الجزائر موقفا مباشرا لا لبس فيه، إذ تدعم البوليساريو علنا وتستضيف مخيمات اللاجئين في تندوف، معتبرة المسألة قضيتها الوطنية الأولى . هذا الوضوح، وإن منحها صورة الطرف المباشر في النزاع، كلفها توترا دائما مع المغرب واستقطابا إقليميا حادا. غير أن صراحة الموقف الجزائري تضع أيضا ضبابية الموقف الموريتاني تحت المجهر، إذ يبدو أن نواكشوط تستفيد من التزام الجزائر العلني دون أن تتحمل كلفته السياسية.

في هذا السياق، اختار المغرب مقاربة مختلفة في تعامله مع موريتانيا، قائمة على استيعاب طبيعة موقعها بدل السعي إلى إحراجها أو دفعها إلى اصطفاف صريح، فقد راهنت الرباط على تعميق التعاون الاقتصادي وتعزيز الروابط الاجتماعية والقبلية المشتركة، وبناء شبكة مصالح متبادلة تجعل العلاقة الثنائية أعمق من مجرد موقف سياسي معلن.

هذا النهج سمح للمغرب بتحييد جزء من تأثير الضبابية الموريتانية، بل وتحويلها أحيانا إلى عنصر يخدم رؤيته، إذ إن غياب معارضة موريتانية حادة يقرأ في بعض الأوساط كإشارة ضمنية إلى واقعية الطرح المغربي.

وتظل مدينة الگويرة مثالا رمزيا على حساسية الحسابات الموريتانية. فموقعها الجغرافي القريب من الحدود يجعل أي تغيير في الوضع النهائي للنزاع ذا أثر مباشر على الأمن والمصالح الاقتصادية لموريتانيا، من هنا يمكن فهم حرصها على استمرار توازن هش تعرف حدوده جيدا، بدل المغامرة بخيارات قد تفرض عليها التعامل مع واقع إقليمي جديد أقل قابلية للتحكم.

في المحصلة، لا تبدو موريتانيا محايدة بالمعنى التقليدي، بقدر ما تمارس سياسة توازن دقيقة تستند إلى قراءة براغماتية لمحيطها. فهي تحاول الاستفادة من جميع الأطراف، والحفاظ على قنواتها مفتوحة مع الجميع، دون أن تقدم التزاما حاسما لأي منهم.

الجزائر تواصل تمسكها بموقف واضح رغم كلفته، والمغرب يمضي في تعزيز حضوره الدبلوماسي مستثمرا كل المساحات المتاحة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مطروحا.. إلى متى تستطيع موريتانيا البقاء في المنطقة الرمادية قبل أن تفرض التحولات الإقليمية والدولية عليها اختيارا أكثر وضوحا؟