المغرب يقود عملية دولية تسقط 3 أطنان من الكوكايين عبر الطريق الأطلسي
جريدة النهضة
نجحت عملية استخباراتية وجمركية دولية واسعة النطاق في توجيه ضربة قاسية لشبكات تهريب المخدرات عبر المحيط الأطلسي، من خلال اعتراض إحدى أكبر شحنات الكوكايين المتجهة إلى أوروبا. العملية التي قادها المغرب بالتعاون مع شركاء أوروبيين وأطلسيين تمكنت من إحباط محاولة تهريب ثلاثة أطنان من الكوكايين كانت مخبأة بعناية فائقة داخل سفينة قاطرة تُدعى “سكاي وايت”.
تمت العملية يوم الجمعة الماضي في المياه الدولية غرب جزر الكناري، حيث اعترضت القوات المشاركة السفينة التي كانت تبحر تحت علم الكاميرون وتحمل 80 رزمة من الكوكايين مخبأة بإحكام داخل هيكلها. وقد تم اقتياد السفينة وسط حراسة مشددة إلى ميناء تينيريفي الإسباني، حيث جرى تفريغ الشحنة ونقلها إلى مخازن محكمة التأمين، فيما وُضع طاقم السفينة رهن الاعتقال الاحتياطي.
شملت العملية تعاوناً معقداً بين جهاز المراقبة الجمركية التابع لوكالة الضرائب الإسبانية والحرس المدني الإسباني، إلى جانب الأجهزة الأمنية والجمركية المغربية، بمشاركة فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرتغال. وقد جرى تنسيق هذا التدخل تحت إشراف مركز الاستخبارات لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والمركز التحليلي لمكافحة تهريب المخدرات في المحيط الأطلسي، وهما منصتان دوليتان متخصصتان في ملاحقة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
بدأ التحقيق حول “سكاي وايت” منذ صيف 2024، عندما رصدت أجهزة الاستخبارات تحركات مريبة للسفينة في مسارات بحرية معروفة باستعمالها من قبل شبكات تهريب الكوكايين القادمة من أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي باتجاه أوروبا. كشفت عمليات التتبع والمراقبة أن السفينة تُستعمل كسفينة “أم”، أي وحدة إمداد كبيرة تنقل الشحنات من عرض المحيط إلى سفن أصغر حجماً، غالباً ما تكون لانشات سريعة أو قوارب صيد، يتم تسليمها بالقرب من جزر الكناري أو على مشارف السواحل الإيبيرية لتفادي الرقابة البحرية المباشرة.
نُفذت عملية الاعتراض في عرض البحر من على متن سفينة تابعة للبحرية الإسبانية، بمشاركة عناصر النخبة من الوحدة الخاصة للتدخل التابعة للحرس المدني، الذين صعدوا إلى متن القاطرة في ظروف جوية صعبة. اكتشف المحققون أن السفينة، التي يبلغ طولها 22 متراً فقط، كانت في حالة تقنية متدهورة تشكل خطراً على سلامة الطاقم. رغم ذلك، كان المهربون قد أخفوا شحنتهم بعناية فائقة داخل هيكل القاطرة، مستغلين الفراغات الداخلية وتدعيمها بمواد عازلة لإخفاء رائحة المخدرات وتفادي اكتشافها بواسطة أجهزة الرصد.
الطاقم الموقوف يتألف من خمسة أشخاص، أربعة منهم من بنغلاديش وواحد من فنزويلا، وقد وُجهت لهم تهم الانتماء إلى شبكة إجرامية دولية متخصصة في تهريب المخدرات عبر المحيط الأطلسي. تشير التحقيقات الأولية إلى أن هذه الشبكة لها امتدادات في موانئ أمريكية جنوبية، وأنها قد تكون ضالعة في عمليات تهريب سابقة اعتمدت موانئ إفريقية كنقاط انطلاق نحو أوروبا، من بينها ميناء الداخلة الذي صار على رادار الأجهزة الدولية بسبب موقعه الاستراتيجي على واجهة الأطلسي.
ترتبط هذه العملية أيضاً بتحقيقات أوسع تقودها مديرية البحث والاستخبارات الجمركية الفرنسية بالتعاون مع السلطات المغربية، وتستهدف شبكات منظمة تنشط في شحن كميات ضخمة من الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا عبر مسارات بحرية طويلة تتطلب خبرة لوجستية عالية، مما يفسر لجوء هذه الشبكات إلى قاطرات وسفن صيد شبه مهجورة يصعب تعقبها.

تؤكد السلطات الإسبانية أن نجاح هذه العملية يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي بين المغرب وشركائه الدوليين. هذا التنسيق لم يعد يقتصر على التتبع والمراقبة، بل يشمل عمليات بحرية مشتركة وتخطيطاً عملياتياً يتيح اعتراض الشحنات قبل اقترابها من المياه الإقليمية الأوروبية. كما أشار المسؤولون الأمنيون إلى أن التهديد المتزايد لما يسمى بـ”الطريق الأطلسي” يفرض على الأجهزة المعنية تطوير أساليبها باستمرار، خاصة مع لجوء شبكات التهريب إلى وسائل تمويه أكثر تعقيداً، مثل تغيير أعلام السفن أو إعادة طلاء الهياكل لإخفاء هويتها الحقيقية.
تأتي هذه العملية في سياق أوسع من النجاحات التي حققها المغرب مؤخراً في حربه على تهريب المخدرات، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى إحباط عشرات المحاولات وضبط كميات قياسية من المخدرات الصلبة، إلى جانب اعتقال مئات المشتبه في تورطهم، بمن فيهم عناصر أجنبية، في قضايا تهريب عابرة للحدود. يعتبر المحللون أن هذه النجاحات، إلى جانب انخراط المغرب النشط في شبكات التعاون الدولي، عززت صورته كشريك موثوق في مواجهة الجريمة المنظمة، خاصة في ظل التهديدات التي يشكلها الاتجار الدولي بالمخدرات على الأمن الإقليمي والعالمي.
تطرح عملية “سكاي وايت” أسئلة جوهرية حول موازين القوة في المعركة المستمرة بين الأجهزة الأمنية وشبكات التهريب عبر المحيط الأطلسي. نجاح العملية لم يقتصر على اعتراض شحنة ضخمة من الكوكايين، بل أظهر أن هذه الشبكات لم تعد قادرة على العمل بنفس هامش الأمان الذي كانت تستفيد منه سابقاً، خصوصاً مع تطور منظومات الرصد البحري والجوي والاستخباراتي. التعاون متعدد الأطراف جسّد تحالفاً عملياتياً متكاملاً قاد إلى تبادل فوري للمعلومات وتحريك وحدات التدخل في توقيت مثالي، مما حرم المهربين من أي فرصة لتغيير مسار السفينة أو التخلص من الشحنة قبل وصول القوات.
هذا التحول في طبيعة المواجهة يفرض على شبكات التهريب إعادة النظر في مساراتها البحرية، ويحدّ من قدرتها على الاعتماد على “الطريق الأطلسي” كنقطة عبور آمنة إلى أوروبا. كما أنه يعزز نفوذ الأجهزة الأمنية في هذا المسار البحري الحيوي، ويبعث برسالة ردع قوية إلى أي تنظيمات إجرامية تفكر في استغلاله.
بالنسبة للمغرب، فإن حضوره كلاعب مركزي في هذه العمليات يعزز موقعه كقوة إقليمية ضامنة للأمن البحري، ويمنحه أوراق قوة إضافية في تعاونه الأمني والدبلوماسي مع شركائه الأوروبيين والأطلسيين. هذا ما قد يترجم مستقبلاً إلى نفوذ أكبر في صياغة سياسات مكافحة الجريمة المنظمة على المستوى الإقليمي والدولي، مؤكداً أن الطريق الأطلسي لم يعد ساحة مفتوحة أمام المهربين، وأن الرقابة البحرية والاستخباراتية باتت أكثر إحكاماً وقدرة على الاستباق.

