جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

قراءة في توقيت حل البرلمان الإسباني.. أزمة داخلية أم إعادة ترتيب لأوراق العلاقة مع الرباط؟

جريدة النهضــة – مشكات رضــوان

لم يمر قرار حل البرلمان الإسباني حدثا داخليا في مدريد وحدها. فقد جاء بعد الإعلان عن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة المحتلة، وهي زيارة تحمل رمزية سياسية ثقيلة في سياق العلاقات المغربية الإسبانية. ولفت انتباه المتابعين أن الرباط لم تعلن موقفاً رسمياً منها. لذلك يتساءل كثيرون: هل نحن أمام قرار فرضته أزمة سياسية داخلية في إسبانيا، كما يروج له في الإعلام الإسباني ويرتبط بملفات من قبيل السكن، أم أن بعض نتائجه جاءت في توقيت يفتح الباب أمام قراءات أوسع؟

تقتضي الأمانة المهنية البدء بالتأكيد أن الرواية الرسمية الإسبانية تجد لها سندا في منطق الحياة السياسية هناك. فالأزمات الاجتماعية، وفي مقدمتها أزمة السكن وغلاء المعيشة، تضغط على الحكومات الأوروبية عموما، وتجعل التوازنات البرلمانية هشة. كما أن حل البرلمان آلية دستورية مألوفة حين يتعذر تشكيل أغلبية مستقرة. وعليه فمن المشروع تفسير القرار بحسابات داخلية صرفة. ومع ذلك، لا يمنع هذا التفسير من النظر في الآثار التي ترتبت عليه وانعكاساتها على ملفات تهم المغرب مباشرة.

أول هذه الملفات مشروع منح الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين. فقد مر المشروع في مجلس النواب بعد تعديلات غيرت جزءا من مضمونه الأصلي، ثم انتقل إلى مجلس الشيوخ. وجاء حل البرلمان فقطع مساره التشريعي الحالي. والنتيجة العملية أن المشروع قد يحفظ أو يجمَد أو يعاد النظر فيه كليا، وكل ذلك رهين بتركيبة البرلمان والحكومة المقبلين.

الملف الثاني هو قضية اقتحام سبتة، وهي مفتوحة أمام القضاء الإسباني. كان يمكن أن تتحول إلى معركة سياسية وبرلمانية حول مسؤولية الحكومة ودور المغرب، وأن تمتد إلى سجال داخل المؤسسات الأوروبية. ومع حل البرلمان، فقدت القضية جزءا من زخمها السياسي، وانتقلت بالأساس إلى المسار القضائي الذي يخضع لمنطقه وإيقاعه الخاصين. ولا يمكن الجزم بمآل القضية، فالقضاء مستقل، وقراراته تبقى مرتبطة بمعطيات الملف وحدها.

أما الملف الثالث فيتعلق بالعلاقة المغربية الإسبانية نفسها. فقد مرت بمحطات حساسة من أزمة سبتة إلى قضايا الهجرة والصحراء والجنسية. ويرى بعض المحللين أن هذه المرحلة تمنح مدريد فرصة لإعادة ترتيب علاقتها بالرباط قبل أن تتراكم أزمات جديدة. ويذهب آخرون إلى أن المطلوب ليس حل الملفات الساخنة بقدر ما هو تهدئتها وتجنب تفجيرها في لحظة سياسية دقيقة. ويستند هذا الطرح إلى فكرة أن ما يجمع البلدين من مصالح اقتصادية وأمنية وجغرافية يفوق ما يفرق بينهما.

وللجزائر حضور في هذه القراءة أيضا. فقد كانت تتحرك، بحسب ما يتداول، نحو قمة جديدة مع إسبانيا في محاولة لإعادة ترميم العلاقة بعد سنوات من التوتر. وجاءت الانتخابات المبكرة لتضع هذا المسار أمام أفق غير محدد. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المصالحة أُلغيت، فقد تؤجل فحسب، لكن شكل الحكومة والبرلمان المقبلين قد يغير نظرة مدريد إلى الخيارات التي كانت مطروحة بالأمس.

يبقى الصمت المغربي إزاء الزيارة المفترضة أكثر العناصر إثارة للتساؤل. هناك من يرى فيه حسابات دقيقة وتقديرا لتوقيت لا يخدم التصعيد. وهناك من يعتبره تعبيرا عن مقاربة هادئة تفضل العمل في الكواليس على المواجهة العلنية. وفي المقابل، يرى آخرون أن إدارة الملفات بهذا الأسلوب هي ما يمنح الدبلوماسية المغربية مرونتها ويحفظ مكتسباتها، وأن الاكتفاء بقراءة المواقف المعلنة وحدها لا يكفي لفهم ما يجري.

ويبقى السؤال المطروح.. هل يشكل حل البرلمان، وما ترتب عنه من تجميد أو تأجيل لعدد من الملفات الحساسة، مقابلا سياسيا لتلك الزيارة؟ لا شيء يسمح بإثبات ذلك. فلا أحد يتحدث رسميا عن صفقة، ولا توجد معطيات موثقة تدل على وجودها. وتفترض الحيطة المهنية أن تقرأ هذه الوقائع باعتبارها تزامنا سياسيا يستدعي المتابعة، لا استنتاجا جاهزا.

لكن السياسة لا تقرأ بما يقال أمام الكاميرات وحده. فأحيانا يكون ما سقط وما تأجل وما تجمد وما تغير مساره، وفي أي توقيت حدث ذلك، أبلغ دلالة من التصريحات. وفي كل الأحوال، يحتاج المغرب إلى متابعة دقيقة لما ستفرزه الانتخابات الإسبانية المقبلة، لأنها ستحدد في النهاية اتجاه العلاقة مع مدريد في غرب المتوسط.

error: Content is protected !!