جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

تدفق الأخبار في العصر الرقمي.. كيف نميز الحقيقة ؟

جريدة النهضــة – مشكات رضــوان

في زمن ثورة المعلومات والأخبار، لم يعد إسكات الرأي يحتاج إلى رقابة أو منع أو مصادرة للصحف. فقد تغيرت أدوات السيطرة كما تغيرت أيضا أدوات الاتصال، وانتقل الصراع من ساحة المنع إلى ساحة التأثير.

لم يعد المسؤول أو صاحب المصلحة بحاجة إلى أن يقول للناس: لا تتكلموا، يكفيه أن يجعلهم يتكلمون كثيرا في ما يريد، وينشغلون بما يراد لهم أن ينشغلوا به.

كانت الرقابة قديما فعلا مرئيا: مقص يقص، وقرار يمنع، ومطبعة تغلق. وكان الناس يعرفون على الأقل أن ثمة حقيقة محجوبة، وكان هذا الإدراك وحده يولد المقاومة والفضول ورغبة البحث عما وراء الحجاب. أما اليوم فالمعضلة معكوسة: لا نقص في المعلومات بل تخمة فيها.

تنهال علينا الأخبار والتحليلات والمقاطع والتعليقات بلا انقطاع، حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش المصقول اللامع. الحقيقة لم تمنع، لكنها غمرت، والغمر أنجع من المنع لأنه لا يترك أثرا يدل على الجريمة.

ويزيد الأمر تعقيدا أن الخوارزميات التي تدير فضاءنا الرقمي لا تسأل عما هو صحيح أو نافع، بل عما هو أكثر إثارة للانتباه وأطول إبقاء للمستخدم. ولأن الغضب والخوف والانتماء أقوى المشاعر تأثيرا في السلوك، فإن ما يضخم غالبا هو ما يثير هذه المشاعر لا ما ينور العقل.

وتضاف إلى ذلك الحسابات الوهمية والحملات المنسقة والمحتوى الموجه، فتصنع أصوات تبدو عفوية ومستقلة وهي في الحقيقة مدروسة ومحسوبة. وحين يرى المرء رأيا يتكرر من حوله بكثرة، يميل إلى الظن بأنه رأي الأغلبية، ثم يميل إلى تبنيه، فيتحول من متلق إلى ناقل، ومن ضحية إلى أداة.

من هنا يصبح السؤال مشروعا: هل ما نقوله هو رأينا حقا؟ أم أنه صدى لما سمعناه مرارا حتى ظنناه من عندنا؟ إن الرأي الأصيل ثمرة تأمل ومقارنة ومراجعة، أما الرأي المصنوع فيصل إلينا جاهزا، سريعا، مغلفا بالثقة واليقين، ويريحنا من عناء التفكير. وهذه الراحة بالذات هي أخطر ما فيه.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نرسم صورة قاتمة بلا استثناء. فالتقنية ذاتها التي تستخدم في التوجيه هي التي كسرت احتكار المنابر التقليدية، ومنحت أصواتا مهمشة فرصة لم تحلم بها، وكشفت من الوقائع ما كانت الرقابة القديمة كفيلة بدفنه.

والجمهور ليس كتلة سلبية تشكل كيفما شاء المتحكمون، فللتأثير حدود، وكثيرا ما ينقلب الخطاب المصنوع على أصحابه حين ينكشف. كما أن الإقرار بأن كل رأي مؤثر فيه لا يعني أن كل رأي مزيف، فالتأثر بالمحيط سمة إنسانية قديمة، والجديد هو الحجم والدقة والسرعة لا الظاهرة نفسها.

وعليه فليست المسألة أن نهرب من الفضاء الرقمي أو نتهم كل ما فيه بالزيف، بل أن نستعيد وعينا داخله. أن نسأل عن مصدر الفكرة قبل أن نتبناها، وعن المستفيد منها قبل أن ننشرها، وأن نقاوم إغراء الاستجابة الفورية، وأن نقرأ ما يخالفنا كما نقرأ ما يوافقنا، وأن نمنح أنفسنا وقتا بين أن نسمع الرأي وأن نتبناه.

فالحرية في هذا العصر لم تعد مجرد حق في القول، بل صارت مهارة في التمييز بين ما ينبع من داخلنا وما زرع فينا من الخارج.

وربما كان أثمن ما نملكه اليوم هو القدرة على التوقف والشك والسؤال. فآلة الصيد، مهما بلغ دهاؤها، تحتاج إلى فريسة تستجيب، وإنما ينجو من شباكها من يبقى عقله يقظا، ورأيه نتاج تفكيره لا صدى ما يتردد حوله.

error: Content is protected !!