جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

استيراد الأبقار لا يكفي.. متى يشعر المواطن بتحسن الأسعار؟

جريدة النهضة: مقال رأي

مشكات رضوان

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعقد فيه التحديات الاقتصادية، يجد المواطن المغربي البسيط نفسه أمام معادلة صعبة.. كيف يوفر لأسرته وجبة تحتوي على اللحوم الحمراء دون أن يستنزف راتبه الشهري؟ هذا السؤال ليس رخاء ورفاهية فكرية، بل واقع مؤلم يعيشه الملايين من المواطنين يوميا، وسط إجراءات حكومية تبدو وكأنها قطرة في محيط من الأزمات المتراكمة.
استوفت عمليات استيراد الأبقار الموجهة للذبح حصتها المحددة في 150 ألف رأس، وهو رقم يبدو مطمئنا على الورق، لكنه يخفي حقيقة مرة، هذه الكمية لا تكفي لتحقيق الهدف المنشود وهو خفض الأسعار بشكل يشعر به المواطن العادي.
فبينما تعكف الحكومة على إعفاء المستوردين من الرسوم الجمركية في محاولة لتخفيف العبء على السوق، يبقى المواطن البسيط عاجزا عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم الأحمر دون أن يفكر مرتين في ميزانيته الشهرية، هذا الوضع يعكس محدودية فعالية الإجراءات الحكومية، وسط غياب حلول مبتكرة ومستدامة قادرة على خفض الأسعار بشكل حقيقي وملموس إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

في الماضي، كانت المناسبات الدينية والاجتماعية، وعلى رأسها عيد الأضحى، فرصة للأسر المغربية للاجتماع حول مائدة تتوسطها أطباق اللحوم ، في طقس يجمع بين البعد الديني والاحتفال العائلي. غير أن هذه المناسبات تحولت اليوم، بالنسبة لعدد كبير من الأسر، إلى مصدر قلق وضغط نفسي، حيث يجد الآباء والأمهات أنفسهم مضطرين للاختيار بين توفير وجبة لائقة لأطفالهم أو تغطية نفقات أساسية كالعلاج والتعليم. وقد جاء قرار جلالة الملك محمد السادس القاضي بإلغاء شعيرة الذبح خلال عيد الأضحى لهذه السنة، استثناء، ليشكل بارقة أمل وفرجا للعديد من الأسر التي كانت تجد نفسها عاجزة عن اقتناء الأضحية بسبب الارتفاع الصاروخي في أسعار المواشي واللحوم الحمراء عموما. هذا الواقع المؤلم يعكس عمق الأزمة ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية السياسات الاقتصادية المتبعة، وقدرتها الحقيقية على تحسين القدرة الشرائية للمواطن البسيط وتخفيف وطأة الغلاء عن كاهله.

لا يمكن إنكار أن الجفاف وتداعيات التغيرات المناخية تشكل تحديا حقيقيا يواجه القطاع الفلاحي المغربي، وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي من اللحوم الحمراء. لكن هذا التحدي، رغم جديته، لا يمكن أن يكون مبررا لترك المواطن البسيط يواجه مصيره وحيدا أمام أسعار تتزايد يوما بعد يوم.
إن التحديات المناخية تتطلب استراتيجية شاملة ومتكاملة تتجاوز الحلول الآنية والمؤقتة، وتركز على بناء قطاع فلاحي مرن قادر على التكيف مع المتغيرات المناخية دون أن ينعكس ذلك سلبا على جيوب المواطنين.
خلف كل رقم في إحصائيات الاستيراد والأسعار، هناك أسر تعيد حساباتها يوميا، وأطفال يطرحون أسئلة بريئة حول سبب اختفاء اللحم من مائدة العشاء. هناك أمهات يبدعن في تحضير وجبات مغذية بأقل التكاليف، وآباء يعملون ساعات إضافية ،لعلهم يوفرون ثمن وجبة لحم لأطفالهم في نهاية الأسبوع. هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل قصص إنسانية حقيقية تستحق أن تكون في مركز أي سياسة حكومية تهدف إلى معالجة أزمة الغذاء.
الحل لا يكمن فقط في زيادة حصص الاستيراد أو إعفاءات جمركية مؤقتة، بل في بناء استراتيجية شاملة تأخذ في الاعتبار الواقع الاجتماعي للمواطن المغربي. كما نحتاج إلى استثمار حقيقي في القطاع الفلاحي من خلال برامج تحديث تقنيات الإنتاج، وتطوير أساليب الري، ودعم المربين الصغار، بما يضمن زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. إضافة إلى ضرورة وضع آليات شفافية في التسعير وآليات رقابة فعالة لمنع المضاربات التي قد تساهم في رفع الأسعار دون مبرر اقتصادي واضح.
في نهاية المطاف، يجب أن تكون كرامة المواطن البسيط وقدرته على توفير الغذاء الأساسي لأسرته في مقدمة أولويات أي سياسة اقتصادية. لا يمكن أن نتحدث عن تنمية حقيقية بينما يعجز المواطن العادي عن شراء كيلوغرام من اللحم لأطفاله. إن التضامن مع المواطن البسيط ليس مجرد شعار، بل التزام أخلاقي وسياسي يتطلب إجراءات ملموسة وحلولا مبتكرة تضع الإنسان في مركز المعادلة الاقتصادية. فالمغرب الذي نطمح إليه هو مغرب تتاح فيه الفرصة لكل مواطن، مهما كان وضعه الاجتماعي، للعيش بكرامة وتوفير احتياجاته الأساسية دون أن يضطر للاختيار بين الطعام والدواء، أو بين وجبة لائقة لأطفاله وتعليمهم. الأزمة قائمة، والحلول ممكنة، لكن الإرادة السياسية الحقيقية هي ما سيحدد ما إذا كان المواطن المغربي البسيط سيستمر في معاناته، أم أنه سيجد أخيراً من يقف إلى جانبه في مواجهة تحديات العيش الكريم.