موريتانيا والإمارات.. إعادة تموضع دبلوماسي في قلب تحولات الساحل الإفريقي
جريدة النهضة
يشهد الحضور الإماراتي في موريتانيا عودة لافتة في سياق إقليمي يتسم بتحولات عميقة في منطقة الساحل الإفريقية. فقد استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني بالقصر الرئاسي في نواكشوط وفداً إماراتياً يقوده شخبوط بن نهيان آل نهيان، في لقاء يعكس مؤشرات على إعادة تموضع استراتيجي بين البلدين بعد فترة بدت فيها وتيرة التنسيق أقل زخماً مما كانت عليه في السنوات الماضية.
الزيارة جاءت في أعقاب الدورة الأخيرة من المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، الذي احتضنته نواكشوط برعاية إماراتية، وسط أجواء دبلوماسية مختلفة عن سابقاتها. فمنذ عام 2019 درج الرئيس الموريتاني على افتتاح هذا الحدث شخصياً إلى جانب عبد الله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، غير أن الدورة الأخيرة شهدت غياب الرئيس عن الجلسة الافتتاحية، حيث مثلته الحكومة عبر الوزير الأول، في خطوة أثارت تساؤلات داخل الأوساط الدبلوماسية.
كما اتسم حفل الاختتام بمظاهر بروتوكولية غير معتادة، تزامنت مع مقاطعة عدد من السفراء العرب المعتمدين في نواكشوط لأشغال المؤتمر، في مشهد يعكس، بحسب متابعين، امتدادات انقسام عربي أوسع حول ملفات إقليمية شائكة، من بينها الأوضاع في فلسطين والسودان واليمن وليبيا. ويضع هذا السياق موريتانيا في موقع حساس، باعتبارها دولة تنعم باستقرار نسبي في محيط إقليمي مضطرب، ما يجعلها محط اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز حضورها في الساحل.
على المستوى الاستراتيجي، يعكس الانفتاح المتجدد على أبوظبي رغبة موريتانية في تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها الإقليم، وتراجع أدوار تقليدية لبعض القوى الدولية، مقابل بروز فاعلين جدد يسعون إلى تثبيت موطئ قدم لهم في غرب إفريقيا. وتندرج الإمارات ضمن هذا التوجه، من خلال سياسة خارجية نشطة جمعت خلال العقد الأخير بين الاستثمار الاقتصادي والانخراط في ملفات أمنية بعدد من بؤر التوتر الإفريقية.
موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي كبوابة بين شمال وغرب إفريقيا وامتدادها الحدودي مع منطقة الساحل، تمثل حلقة مهمة في الحسابات الاستراتيجية لدول عدة. غير أن هذا الانفتاح يضع نواكشوط أمام معادلة دقيقة: توسيع شبكة شركائها دون الانزلاق إلى محاور متنافسة قد تؤثر على استقلالية قرارها السياسي والأمني.
في المقابل، التزمت الرئاسة الموريتانية الصمت حيال تفاصيل المباحثات، مكتفية بالإشارة إلى عقد اللقاء دون الكشف عن مضامينه. هذا التحفظ يعكس طبيعة المرحلة، حيث تجري إعادة صياغة أولويات وشراكات في بيئة إقليمية سريعة التغير، ما يجعل من مثل هذه اللقاءات الهادئة مؤشراً على تحولات قد تتضح معالمها في المرحلة المقبلة.

