جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

اكتشاف أثري بالدار البيضاء يكشف عن سلف مشترك للإنسان الحديث عمره 773 ألف سنة

جريدة النهضة

كشف فريق من علماء الآثار المغاربة والدوليين عن اكتشاف أثري استثنائي بالدار البيضاء يعيد رسم خريطة التطور البشري، حيث عثروا على بقايا بشرية متحجرة تعود إلى 773 ألف سنة، تمثل سلفاً مشتركاً محتملاً بين الإنسان العاقل والإنسان النياندرتال.

جاء الإعلان عن هذا الاكتشاف في ندوة صحافية عقدت بمقر قطاع الثقافة، بحضور محمد المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل، وعبد الجليل بوزوكار مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، فيما نشرت تفاصيله العلمية في المجلة الدولية المرموقة “نايتشر”.

أوضح عالم الآثار عبد الرحيم محب أن هذه اللقى، التي اكتُشف بعضها في عامي 2008 و2009، استغرقت سنوات طويلة من التنقيب والفحص والدراسة المضنية داخل المختبرات.

وأشار إلى أن البحث شارك فيه 29 عالماً من تخصصات الأنثروبولوجيا والجيولوجيا والأركيولوجيا، نظراً لصعوبة استخلاص اللقى وتحليلها، والحاجة إلى الوصول لنتائج علمية مؤكدة وذات مصداقية قبل النشر.

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن البقايا المكتشفة تسبق الإنسان العاقل الذي وُجدت أقدم آثاره العلمية في موقع جبل إيغود بالمغرب.

وأظهرت النتائج أن هذه السلالة الجديدة تمتلك خصائص فريدة، فأسنانها وبعض أجزائها تحمل سمات حديثة تذكر بالإنسان العاقل، بينما تحمل في الوقت نفسه خصائص قديمة تشبه الإنسان المنتصب، مما يجعلها مزيجاً فريداً.

وتبين أن هذه الفصيلة الإفريقية شقيقة لفصيلة اكتُشفت في إسبانيا وتؤرخ بين 700 ألف ومليون سنة، وتمثل الجذر المشترك المحتمل الذي أعطى لاحقاً الإنسان العاقل في إفريقيا، والنياندرتال والدينيسوفان في أوراسيا.

تم التأريخ الدقيق للاكتشاف باستخدام تقنية المغناطيسية الطبقية المتقدمة، التي تعتمد على تسجيل التغيرات في المجال المغناطيسي للأرض عبر الزمن.

فحص الفريق العلمي 180 عينة جيولوجية لضبط التاريخ بدقة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن البقايا البشرية الموجودة في هذا المستوى تعود فعلاً إلى 773 ألف سنة.

ويعزز هذا الاكتشاف، بعد اكتشاف جبل إيغود المنشور قبل تسع سنوات، مكانة المغرب وشمال إفريقيا كحلقة ضرورية وأساسية في فهم التطور البشري.

وفي رده على سؤال حول سبب التأثير المستمر للاكتشافات المغربية في إعادة كتابة التاريخ العالمي، أوضح محب أنه قبل عشرين عاماً كانت النتائج العلمية المغربية تُنشر باللغة الفرنسية فقط، مما حد من تأثيرها في المجتمع العلمي الدولي الذي يقرأ بالإنجليزية. لكن مع تغيير استراتيجية المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ووزارة الثقافة، بدأ دور شمال إفريقيا يبرز بقوة في الساحة العلمية العالمية.

تضمنت البقايا المكتشفة في مغارة بالدار البيضاء نصف فك سفلي مكتمل لإنسان بالغ، وجزءاً من فك سفلي لطفل، ومجموعة من الأسنان والفقرات.

جاء هذا الاكتشاف في إطار برنامج ما قبل التاريخ بالدار البيضاء، وبفضل التعاون المؤسساتي والعلمي بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل ممثلة في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، وجامعة بول فاليري مونبوليي، ومعهد ماكس بلانك الألماني، وكوليج دو فرونس.

ويؤكد هذا الاكتشاف الدور المحوري لشمال إفريقيا في التاريخ التطوري للبشرية، ويضع المغرب على خريطة الاكتشافات الأثرية العالمية الكبرى.