القانون الجديد للمسطرة الجنائية في المغرب.. يحد من الاعتقال الاحتياطي ويقوي حقوق الدفاع
جريدة النهضة
صدر أخيرا القانون الجديد للمسطرة الجنائية في المغرب، بعد جدل واسع حول بعض مواده، حيث نشر في الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 سبتمبر 2025، ليدخل حيز التنفيذ بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ نشره.
يأتي هذا القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، في إطار جهود المغرب لتطوير منظومة العدالة الجنائية وجعلها أكثر توافقا مع المعايير الدولية.
وقد وصفت وزارة العدل في بيان رسمي هذا التشريع بأنه قفزة نوعية في تكريس ضمانات المحاكمة العادلة وتعزيز الثقة في العدالة.
من أبرز مستجدات القانون الجديد، تحصين حقوق الدفاع وتكريس قرينة البراءة، مع ضمان الحق في محاكمة داخل أجل معقول، فضلا عن توسيع نطاق الاستفادة من المساعدة القانونية لتشمل شرائح أوسع من المتقاضين.
هذه الإصلاحات تهدف إلى معالجة النقائص التي كانت تشوب النظام السابق وتحد من فعاليته.
في مجال الحراسة النظرية، يفرض القانون الجديد التزامات مشددة على السلطات الأمنية، حيث يوجب إخبار المشتبه فيه بحقوقه كاملة فور توقيفه، وتمكينه من الاتصال بمحام دون تأخير، بالإضافة إلى توفير خدمات الترجمة للأجانب أو لمن لا يجيد اللغة العربية.
هذه التدابير تأتي استجابة لانتقادات حقوقية طالما وجهت للممارسات السابقة في هذا المجال.
كما يضع القانون قيودا صارمة على اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، بحصره في أضيق الحالات الضرورية، مع إلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن من طرف القضاة المختصين. ويدعو النص الجديد إلى تفعيل بدائل احترازية حديثة تتماشى مع التطورات الدولية في هذا المجال، مما يقلل من الاعتماد المفرط على السجن كحل وحيد.
لم يغفل المشرع المغربي أيضا حقوق ضحايا الجرائم، حيث يمنحهم القانون الجديد حقوقا موسعة تشمل الحصول على إشعارات منتظمة حول تطورات قضاياهم، والاستفادة من الدعم القانوني والاجتماعي المناسب لحالتهم.
ويولي النص اهتماما خاصا بالنساء والأطفال ضحايا العنف، من خلال وضع تدابير حماية خاصة تأخذ في الاعتبار طبيعة الجرائم المرتكبة ضدهم.
من الإضافات المهمة في القانون الجديد، إحداث مرصد وطني للإجرام كآلية علمية متخصصة في جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالظاهرة الإجرامية.
وسيلعب هذا المرصد دورا محوريا في توجيه السياسة الجنائية بناء على أسس دقيقة ومعطيات موثوقة، بدلا من الاعتماد على التقديرات والانطباعات العامة.
رغم الإشادة الرسمية بهذا القانون واعتباره خطوة مهمة نحو تحديث العدالة الجنائية، تبقى تحديات التطبيق العملي موضع تساؤل من قبل المختصين.
فنجاح هذه الإصلاحات يتطلب تدريب الكوادر القضائية والأمنية على الأحكام الجديدة، وتوفير الموارد المالية واللوجستية اللازمة لتفعيل البدائل الاحترازية والخدمات المساندة للضحايا.
مع اقتراب دخول القانون حيز التنفيذ خلال الأشهر القادمة، تتجه الأنظار نحو قدرة السلطات المغربية على ترجمة هذه النصوص النظرية إلى واقع ملموس يحسن من أداء منظومة العدالة ويعزز ثقة المواطنين فيها، خاصة وأن المغرب يسعى إلى تطوير قضائه ليواكب التطورات الإقليمية والدولية في هذا المجال.

