المنصوري تشرع في مشاورات تشكيل الحكومة.. تحالف رباعي يتقدم على بدائل أخرى
جريدة النهضــة
انطلقت اليوم الأربعاء المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد يوم واحد من تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة. وتواجه المنصوري مشهدا برلمانيا دقيقا أفرزته انتخابات 23 شتنبر، تتداخل فيه الأرقام مع حسابات السياسة.
احتل الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، لكنه عاجز عن تشكيل أغلبية منفردا، بل إن هذه الحصيلة هي الأضعف لحزب متصدر منذ اعتماد دستور 2011. ويعني ذلك أن قدرة المنصوري على تشكيل الحكومة ترتبط بمدى نجاحها في استمالة شركاء كافين، والاتفاق معهم على تصور سياسي وبرنامج يضمنان لها سند الأغلبية في مجلس النواب، أي 198 مقعدا على الأقل من أصل 395.
وقد بدأت جولتها بلقاء التجمع الوطني للأحرار، الذي جاء ثانيا بـ66 مقعدا، يليه الاستقلال في المرتبة الثالثة بـ65 مقعدا. ويُعد هذا اللقاء الاختبار الأول لمسار بناء الأغلبية، إذ تبلغ حصيلة الأحزاب الثلاثة 228 مقعدا، أي بفارق ثلاثين مقعدا عن العتبة. ومن ثم يبرز احتمال إحياء التحالف الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها كأحد الخيارات الجدية.
لكن سهولة الحساب لا تعني يسر السياسة. ففي الأسابيع التي سبقت الاقتراع، احتدم التنافس بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، وتبادل الطرفان اتهامات تتعلق باستقطاب المرشحين والمنتخبين والقيادات، وسط توتر ظهر داخل الأغلبية السابقة نفسها.
والخلاف هنا ليس عابرا، فهو بين شريكين في الحكومة تحولا إلى خصمين على الصدارة. لذلك يتطلب جلوسهما من جديد إلى طاولة واحدة تسوية تتخطى الأرقام، وتقوم على ترميم الثقة واتفاق واضح على قواعد تدبير المرحلة، فآثار الحملة الانتخابية لم تنته بإعلان النتائج.
والمنصوري كانت بدورها طرفا في هذا التوتر، إذ قالت خلال الحملة إنها، لو تصدّر التجمع الانتخابات، لن تكون معنية شخصيا بالتحالف معه، وهو تصريح قرئ على نطاق واسع باعتباره “خطا أحمر”، غير أنها بعد ظهور النتائج خففت اللهجة، وأكدت أن حزبها لا يضع شروطا مسبقة على التحالفات، وأن البرامج والتصورات ستكون محور النقاش، في دلالة على رغبة في طي صفحة المواجهة الانتخابية والانتقال إلى منطق التوافق.
ضمن هذا السياق، يقوم السيناريو الأول على أغلبية ثلاثية من الأصالة والمعاصرة والتجمع والاستقلال بـ228 مقعدا. ميزتها أنها تغني عن إشراك أحزاب صغيرة كثيرة، وترتكز على أكبر الكتل البرلمانية.
ويفترض السيناريو الثاني تحالفا بين الأصالة والمعاصرة والتجمع فقط، بمجموع 163 مقعدا، أي بنقص 35 مقعدا عن الأغلبية، ما يحتم توسيعه. فإذا انضم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعدا بلغ المجموع 189، وهو ما يظل دون العتبة بتسعة مقاعد. أما إضافة التقدم والاشتراكية فترفع الحصيلة إلى 208 مقاعد، وهي أغلبية ممكنة حسابيا لكنها تضم خمسة أحزاب.
أما السيناريو الثالث فيجمع الأصالة والمعاصرة بالاستقلال، بـ162 مقعدا، مع حاجة إلى 36 مقعدا إضافية. وقد يستكمل النصاب بانضمام الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية بخمسة وأربعين مقعدا، فيصل المجموع إلى 207. غير أن كثرة المكونات في هذه الصيغة قد تستلزم تفاهمات معقدة بخصوص البرنامج الحكومي وتقاسم الحقائب.
ومع ذلك، تبدو حكومة الأحزاب الأربعة الأقرب إلى “الواقعية السياسية”. فبإدخال الحركة الشعبية، الحاصلة على 29 مقعدا، إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، يصل التحالف إلى 217 مقعدا. كما يمكن إشراك التجمع الوطني للأحرار في هذه الصيغة، وإن لم تكن الأرقام تستدعي ذلك، بغرض امتصاص حدة المعارضة في البرلمان المقبل.
على الضفة الأخرى، حسم العدالة والتنمية موقفه مبكرا بالاتجاه إلى المعارضة. فقد قرر مجلسه الوطني، في دورة استثنائية ببوزنيقة يوم السبت 26 شتنبر، وبإجماع الحاضرين، البقاء في صف المعارضة البرلمانية.
ويحمل القرار دلالة خاصة بالنظر إلى حصيلة الحزب البالغة 54 مقعدا، فهو يمنحه ثقلا في المعارضة، لكنه يسحب من المنصوري أحد أبرز الخيارات البرلمانية المتاحة. وسار تحالف اليسار، بمقاعده الثمانية، في الاتجاه نفسه.
وتبقى مواقف قوى أخرى وازنة عدديا، هي الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، معلقة إلى حين. في المقابل، يُنتظر أن يدعم تحالف الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، الذي يشكل فريقا نيابيا واحدا من 25 نائبا، الأغلبية المقبلة.
وبذلك تقف المنصوري أمام ثلاثة خيارات.. ثلاثية مريحة بالأرقام لكنها مثقلة بتركة الخلاف، أو تحالفات أوسع تؤمّن الأغلبية لكنها ترفع كلفة التفاوض، أو صيغة رباعية تجمع بين الواقعية السياسية والانسجام العددي. أما الحسم، فمتروك لما ستفرزه جولات المشاورات القادمة.
