سبتة بعد موجة الهجرة.. كيف تحولت أحلام الوصول إلى أوروبا إلى رحلة معاناة وعودة؟
جريدة النهضــة
تحولت الأحلام العريضة التي حملها مئات المهاجرين طمعا في البداية بعبور جيب سبتة الإسباني إلى مواجهة قاسية مع الواقع، حيث سرعان ما انكسرت تلك الآمال على أعتاب الجوع والإرهاق والموقف الصارم من قبل السكان المحليين، لينتهي المطاف ببدء رحلة عودة عكسية متسارعة نحو الأراضي المغربية بعد انسداد منافذ العبور نحو البر الرئيسي لإسبانيا.
وكان التضليل الرقمي والانتشار الواسع لمقاطع الفيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي السبب الرئيسي خلف هذا التدفق، إذ أظهرت المشاهد حينها إمكانية اختراق الحدود الفاصلة بسهولة، وهو ما شجع الكثيرين على المغامرة وترك أعمالهم.
غير أن الصدمة كانت سريعة ومباشرة بمجرد وصولهم، ليتفاجأوا بشلل كامل في الحركة المعيشية والغلاء الارتفاع الخيالي لأسعار الأغذية البسيطة، ما دفع بعضهم للبقاء أياما يعتمدون فيها على الماء فقط، وسط إغلاق تام للمحلات التجارية التي حرمتهم من أبسط مقومات الحياة.
ولم تقف الصدمة عند حدود الشلل التجاري، بل امتدت لتشمل تدهور الوضع الأمني والتضييق الميداني، حيث نقل فارون روايات عن تعرضهم لمواجهات واعتداءات داخل بعض أحياء المدينة لإجبارهم على المغادرة.
ورغم إعلان السلطات الإسبانية عن تسجيل إصابات طفيفة ناتجة عن حوادث طعن منفصلة مع تكثيف الدوريات الأمنية لإعادة فرض النظام، فإن المهاجرين شعروا بأنهم محاصرون داخل سجن مفتوح لا تتوفر فيه أي آفاق للمستقبل.
وعلى الضفة الأخرى في مدينة الفنيدق المغربية المحاذية، خيم السكون والشلل على الشوارع والمتاجر التي كانت قبل أيام قليلة محط تجمعات حاشدة، في حين بدأ الشبان المتراجعون بالابتعاد عن الحدود مشيا على الأقدام أو في انتظار وسائل النقل للمغادرة، تاركين خلفهم مشاغل وأعمالاً أربك غيابهم عنها قطاعات محلية عدة كالفنادق والمطاعم.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تباينت آراء المتواجدين في سبتة بين الحذر والتعاطف، فبينما استأنفت بعض المقاهي نشاطها بتدبير أمني لتجاوز المخاوف، عبر سكان وعاملون في الإغاثة عن أسفهم للظروف الإنسانية الصعبة التي يكابدها المهاجرون الشبان، واصفين إياهم بالضحايا الذين أقحموا في تعقيدات أكبر من طاقتهم، خاصة مع امتلاء مراكز الاستقبال وتجمع الآلاف في المناطق الحدودية.
ورغم حجم الإحباط الذي دفع الغالبية للانسحاب، لا يزال هناك من يصر على المواصلة، متمسكا بالبقاء ومواجهة الحصار الأمني على أمل الحصول على فرصة للوصول إلى أوروبا.
