جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

انتخابات 2026 بالمغرب.. تحصين السيادة الديمقراطية ضد مخاطر الانحرافات الرقمية

جريدة النهضة

يدخل المغرب استحقاقات 2026 في مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي، متسلحا بترسانة قانونية غير مسبوقة تهدف إلى ضبط المشهد الانتخابي في مواجهة تحديات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

هذا التحول الذي تكرس بصدور المرسوم رقم 2.26.190، لم يقتصر فقط على تحديد موعد الاقتراع في 23 شتنبر المقبل وتسطير جدولة زمنية صارمة لتقديم الترشيحات والحملات الانتخابية، بل تجاوزه إلى إحداث قطيعة مع الممارسات التقليدية عبر اعتماد منصة إلكترونية لإيداع الترشيحات، مما ينقل العملية الانتخابية برمتها من حيزها الورقي الكلاسيكي إلى فضاء رقمي منظم يسعى لمواكبة الأنظمة الديمقراطية الحديثة.

وتأتي هذه الخطوات كتتويج لمسار تشريعي انطلق منذ خريف 2025، حيث صاغت وزارة الداخلية رؤية شمولية تدمج التحديات الخوارزمية ضمن القوانين المنظمة للأحزاب واللوائح الانتخابية، معترفةً بشكل صريح بالذكاء الاصطناعي كأحد الوسائل الرقمية التي تخضع لسقف الإنفاق الانتخابي.

وقد وضع المشرع ضوابط مالية دقيقة، محتفظا بثلث الميزانية الإجمالية للحملات الرقمية بحد أقصى يصل إلى 1.5 مليون درهم للوائح الجهوية، في خطوة استباقية للحد من هيمنة المال الرقمي ومنع استغلال البيانات السلوكية للناخبين عبر تقنيات التزييف العميق أو المحتوى الموجه الذي قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.

ولم تقف المقاربة المغربية عند التنظيم المالي والتقني فحسب، بل امتدت إلى البعد الزجري عبر إقرار عقوبات حبسية تصل إلى خمس سنوات وغرامات مالية ثقيلة لمواجهة الانحرافات الرقمية مثل نشر الأخبار الزائفة والتشهير بالمرشحين عبر منصات التواصل الاجتماعي كتيك توك وإنستغرام.

هذا التوجه يعكس إدراكا عميقا بأن الفضاء الرقمي أصبح امتدادا فعليا لساحة المعركة الانتخابية، وهو ما دفع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) إلى تكثيف جهودها منذ مارس 2025 لوضع إطار تأطيري يضمن شفافية التعامل مع بيانات المواطنين، مؤكدة أن القانون 09-08 يظل الحصن القانوني ضد أي استغلال غير مشروع للبيانات في ظل بروز الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وعلى الرغم من هذا التحصين القانوني والمؤسساتي الذي يضع المغرب في صف الدول المتقدمة التي تقنن الذكاء الاصطناعي، مثل الاتحاد الأوروبي، يظل الرهان الحقيقي مرتبطا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمجتمع على استيعاب هذه القواعد وتطبيقها في بيئة رقمية تتسم بالسيولة وسرعة الانتشار.

إن انتخابات 2026 تمثل، بهذا المعنى، اختبارا حقيقيا لمصداقية الانتقال نحو ديمقراطية رقمية، تتأرجح بين طموح التحديث التقني وضرورة الحفاظ على نزاهة الإرادة الشعبية بعيدا عن تلاعب الخوارزميات وتضليل المحتويات المفبركة.