أزمة دبلوماسية محتدمة بين إسبانيا والولايات المتحدة على خلفية الملف الإيراني
جريدة النهضة
شهدت العلاقات الثنائية بين إسبانيا والولايات المتحدة منعطفاً حاداً في أعقاب رفض الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز القاطع استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها في أي عملية هجومية محتملة ضد إيران.
قررت مدريد الاستناد إلى أسس قانونية وسياسية، حيث أكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس أن أي عملية عسكرية تتجاوز نطاق الاتفاقية الموقعة بين البلدين تتطلب موافقة صريحة ومسبقة من الحكومة الإسبانية لم تُمنح ولن تُمنح.
وانطلق الموقف الإسباني من رفض قانوني للعملية العسكرية المحتملة، وصفتها مدريد بأنها عمل أحادي الجانب من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل يفتقر إلى أي سند من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، مما يعكس إصراراً إسبانياً على أولوية السيادة الوطنية والقانون الدولي.
استقبلت العاصمة الأمريكية الموقف الإسباني برفض قاطع وغضب دبلوماسي غير مسبوق، حيث تصدر السيناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام حملة انتقادات لاذعة ضد حكومة سانشيز.
اتهم غراهام، المعروف بقربه من أوساط البنتاغون وبتاريخه العسكري في إسبانيا، مدريد بالتخلي عن التزاماتها التحالفية، معتبراً أن اللحظات الحرجة وحدها هي التي تكشف الطبيعة الحقيقية للحلفاء.
ذهب السيناتور إلى وصف حكومة سانشيز بأنها تمثل معياراً مؤسفاً للقيادة الأوروبية الضعيفة، متهماً إياها بازدواجية المعايير في تعاطيها مع الملف الأمريكي مقابل موقفها من الملف الإيراني، قبل أن يختتم تحذيراته برسالة مباشرة: “التاريخ سيحكم عليكم”، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لن تنسى هذا الموقف في علاقاتها المستقبلية مع مدريد.
لم تكتفِ الولايات المتحدة بالنقد الدبلوماسي، بل انتقلت سريعاً إلى الإجراءات العملية على الأرض، فكشفت وزيرة الدفاع الإسبانية عن مغادرة عدد من الطائرات العسكرية الأمريكية، خاصة ناقلات الوقود الجوي الحيوية، لقاعدتي روتا ومورون في إسبانيا خلال الأيام الأخيرة.
اتجهت هذه الطائرات نحو قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا وقواعد عسكرية أخرى في فرنسا، في خطوة وصفتها واشنطن بقرار تشغيلي بحت، لكن المراقبين العسكريين والدبلوماسيين اعتبروها رسالة ضغط واضحة وإعادة تموضع استراتيجية للقدرات الأمريكية نحو دول قد تكون أكثر استعداداً للتعاون، ما يعكس عمق الشرخ بين الطرفين وتصميم واشنطن على تحريك ملفات متعددة لإرسال رسائل سياسية وعسكرية.
تعكس هذه الأزمة خلافاً جيوسياسياً عميقاً حول مفهوم التحالفات الدولية بين الضفتين، فبينما تنظر واشنطن إلى حلفائها كأجزاء من منظومة أمنية متكاملة تستوجب دعماً تلقائياً في مواجهة التهديدات المشتركة، تؤكد مدريد من جانبها على أولوية السيادة الوطنية والالتزام بالقانون الدولي حتى لو كان ذلك على حساب الانسجام المؤقت مع الحليف الأكبر.
يضع هذا الموقف إسبانيا في موقف ندية قانونية وأخلاقية، لكنه يكلفها ثمناً سياسياً وعسكرياً فوري يتجلى في فقدانها دورها اللوجستي الحيوي في دعم العمليات الأمريكية بجنوب أوروبا.
يبقى المستقبل غامضاً بشأن انعكاسات هذه الأزمة على العلاقات الثنائية الشاملة بين البلدين، خاصة في ملفات حيوية تتجاوز الشق العسكري إلى الاستثمارات الأمريكية والتنسيق الاستخباراتي والأمني.
التحذيرات الأمريكية بإعادة تقييم شاملة للعلاقة في المرحلة المقبلة تنذر بتوتر متصاعد قد يؤثر على مجمل الشراكة الاستراتيجية، مما يرفع الرهانات على كلا الجانبين في سباق دبلوماسي قد لا ينتهي قريباً.
