الجزائر تجرم الاستعمار الفرنسي بقانون برلماني.. وباريس ترفض وتحذر من انهيار الحوار بين البلدين
جريدة النهضة
تدخل العلاقات بين باريس والجزائر مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي، في أعقاب التصويت بالإجماع داخل البرلمان الجزائري على قانون يجرم الاستعمار الفرنسي ويطالب بتعويضات واعتذار رسمي عن الحقبة الاستعمارية.
الخطوة التشريعية أثارت ردود فعل فرنسية قوية وصفتها بالعدائية، في وقت كانت فيه بوادر انفراج محتملة تلوح في الأفق بعد شهور من التوتر المتصاعد.
الخارجية الفرنسية عبرت عن رفضها القاطع للقانون، واعتبرته تهديدا لمساعي إعادة بناء جسور الحوار بين البلدين، مشيرة إلى أن هذا النص التشريعي يتعارض مع ما تسميه باريس العمل الهادئ على ملف الذاكرة التاريخية، وهو الملف الذي ظل لعقود طويلة أحد أعقد الملفات في العلاقات الثنائية رغم المحاولات المتقطعة لمعالجته عبر إجراءات رمزية أو مبادرات تاريخية مشتركة.
المخاوف الفرنسية تتركز حول احتمال انهيار ما تبقى من قنوات التواصل بين الطرفين، خاصة في ظل حساسية المرحلة التي تتطلب حدا أدنى من التنسيق في ملفات محورية كالأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
لذلك حرصت باريس على الموازنة بين التعبير عن انزعاجها الواضح وبين التأكيد على رغبتها في مواصلة الحوار مع الجزائر، في محاولة لتجنب القطيعة الكاملة دون تقديم أي التزامات بشأن مطالب الاعتذار أو التعويضات.
الأوساط الفرنسية تنظر إلى القانون الجزائري باعتباره قرارا سياديا داخليا، لكنه يحمل رسائل خارجية واضحة، إذ ينقل ملف الذاكرة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى التشريع الملزم.
القلق الفرنسي يتفاقم بسبب تضمين النص أحكاما جزائية تعاقب على تمجيد الاستعمار أو إنكار طابعه الإجرامي، وهو ما يثير تساؤلات حول حرية التعبير والتعاون الأكاديمي والبحثي بين المؤسسات في البلدين.
موقف باريس يندرج ضمن مقاربة ترفض تسييس ملف الذاكرة وتحويله إلى أداة ضغط تشريعية، إذ تعتبر أن تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية قانونية عن حقبة تاريخية معقدة لا يتماشى مع منطق العلاقات الدولية المعاصرة ولا يساهم في بناء شراكة مستقبلية متوازنة.
في المقابل، تدرك فرنسا جيدا البعد الرمزي والسياسي للخطوة الجزائرية على المستوى الداخلي، خاصة مع الإجماع البرلماني الذي رافق إقرار القانون، ما يفسر اعتمادها لغة دبلوماسية حذرة لكنها حازمة تسعى لاحتواء التصعيد دون الانزلاق نحو التزامات تاريخية أو قانونية واسعة يصعب التحكم في تبعاتها.
التطور الأخير يأتي بعد إشارات خجولة خلال الأسابيع الماضية أوحت باحتمال تهدئة تدريجية عبر قنوات غير معلنة وتصريحات أقل حدة من الجانبين، لكن القانون الجديد أعاد العلاقة إلى نقطة الصفر، وكرس مجددا مركزية ملف الذاكرة كعامل معطل رئيسي لأي تطبيع حقيقي ومستدام بين الجزائر وفرنسا.
هذا التوتر المتجدد لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للأزمة الدبلوماسية التي تفجرت أساسا بعد اعتراف فرنسا في سنة2024 بمخطط الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر اعتداء على مواقفها الإقليمية وسببا مباشرا للتدهور الحاد في الثقة السياسية.
كما ساهمت ملفات أخرى في تعميق الأزمة، منها اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال قبل الإفراج عنه، واستمرار اعتقال الصحفي الفرنسي كريستوف غيليز، ما أضاف بعدا حقوقيا وإعلاميا للخلاف الذي يبدو أنه يتجه نحو مزيد من التعقيد.

