جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

هوس المعدلات… الوجه الخفي للتفوق الدراسي

جريدة النهضة: هيئة التحرير والنشر

مع نهاية كل موسم دراسي، تتجه الأنظار نحو لوائح الناجحين، وتشتعل منصات التواصل الاجتماعي بالاحتفاء بأرقام قياسية تخطت عتبة الـ19 والـ20 في معدلات البكالوريا.

لكن خلف هذا البريق الرقمي، تلوح في الأفق حقيقة مقلقة يتساوى فيها الذكور والإناث، حقيقة تحول المنظومة التعليمية من فضاء لبناء الفكر والشخصية إلى “حلبة سباق” محموم، كل هم السائرين فيها هو حصد النقاط، ولو كان ذلك على حساب وعيهم وصحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية.

إن هذا التسابق المحموم نحو “أعلى معدل” بات ينذر بعبث حقيقي يهدد جوهر العملية التعليمية، فالتعليم في أصله وجد لينتج نخبا حقيقية، واعية ببلورتها للمفاهيم وقدرتها على التحليل والنقد والمواجهة، لا ليفضل تجميع معلومات جافة وتفريغها على ورقة الامتحان.

هذا الرهان الأعمى على الأرقام أنتج لنا، في حالات كثيرة، جيلا متفوقا افتراضيا، لكنه غارق في العقد والانطوائية، يعيش في عزلة تامة داخل غرف مغلقة بين الكتب، بـ”زيرو” حياة اجتماعية، يفتقر لأبسط مهارات التواصل والتفاعل مع محيطه اليومي.

الواقع يفرض علينا اليوم تفكيك هذه الظاهرة، فالتفوق الدراسي لا يعني بالضرورة النضج الفكري أو الاجتماعي، والركض وراء الـ20 المطلقة غالبا ما يحرم الطالب من عيش مراهقة وطفولة متوازنة، ويكرس نمطا من “الذكاء الآلي” الذي ينتهي مفعوله بمجرد مغادرة أسوار الثانوية.

إننا بحاجة ماسة إلى مراجعة فلسفة التنقير والتقييم في مدارسنا، والتركيز على “المهارات الناعمة” وبناء الشخصية القيادية المتزنة، بدلا من تضخيم النقط الذي يغذي الأنانية والضغط النفسي الرهيب على الأسر والأبناء.

لقد حان الوقت لنتوقف عن اعتبار المدارس معامل لتعبئة الأرقام، وأن نلتفت إلى صناعة الإنسان. فالبلاد لا تحتاج إلى آلات حاسبة بشرية تجلس خلف مكاتب مغلقة، بل تحتاج إلى عقول حية، واعية بوجدانها ومحيطها، تمتلك الجرأة الاجتماعية والقدرة على القيادة والتغيير، فالتعليم الحقيقي هو ما يتبقى في عقل الإنسان وسلوكه بعد أن ينسى كل ما حفظه من أجل الامتحان.