جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Atlas

ازدواجية الخطاب في ميزان الزمن.. البيجيدي من هندسة الساعة الإضافية إلى ركوب موجة إلغائها

جريدة النهضة

بين صرامة التدبير الحكومي بالأمس، وليونة الخطاب المعارض اليوم، يجد حزب العدالة والتنمية نفسه في قلب مفارقة سياسية تضع صدقيته على المحك، فالحزب الذي استمات في الدفاع عن الساعة الإضافية سنة 2018، هو نفسه الذي يحاول اليوم تقديم خطب ود للمغاربة من خلال المطالبة بإلغائها والعودة إلى توقيت غرينتش القانوني.

هذا التذبذب في المواقف يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات جوهرية حول مفهوم المسؤولية السياسية التي لا تسقط ، إذ كيف لمن وقع مرسوم تثبيت التوقيت الصيفي وقدمه كضرورة اقتصادية ونجاعة طاقية، أن يرتدي اليوم ثوب المنقذ الذي يشعر بآلام التلاميذ والعمال تحت جنح الظلام؟ إن محاولة الاستثمار في الغضب الشعبي ضد قرار كان الحزب مهندسه الأول، لا تبدو صحوة ضمير بقدر ما تبدو محاولة للهروب من إرث تدبيري أرهق المغاربة، وتجسيدا لحالة من التناقض الصارخ الذي يجعل من الساعة مجرد ورقة للمزايدة السياسية تتغير بتغير موقع الحزب من الكرسي إلى الرصيف.

إن الوقائع التاريخية والتشريعية لا تقبل التأويل، فما يشتكي منه الحزب اليوم هو منتج حكومي خالص ولد في كنف حكومة سعد الدين العثماني، الأمين العام السابق للحزب، حيث يوثق المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في 26 أكتوبر 2018 قرار الاستمرار في العمل بالتوقيت الصيفي طوال السنة.

آنذاك، اتخذ القرار بـعجالة فاجأت الجميع، وصدر بإجماع داخل تحالف حكومي كان يقوده الحزب، وسط مبررات تسوق للنجاعة الطاقية وملاءمة الشركاء الدوليين، في وقت كانت فيه حناجر التلاميذ تملأ الشوارع رفضا لقرار سلبهم دفء بيوتهم في الصباحات الباكرة.

ويأتي الموقف الحالي للحزب ليجسد حالة من الانفصام السياسي، فمن وقع المرسوم بيديه وطبقه بكل صرامة رغم الاحتجاجات العارمة، يحاول اليوم لعب دور المحامي عن الراحة النفسية والبيولوجية للمواطنين، وكأنه يقتل القتيل ويمشي في جنازته.

إن محاولة ركوب موجة العرائض الشعبية لا يمكن أن تحجب حقيقة أن هذا الوضع هو نتاج تدبير حزبي مباشر، وإذا كانت بعض أحزاب المعارضة آنذاك قد لزمت صمتا مهادنا جعلها شريكة في المسؤولية الأخلاقية، فإن المسؤولية التدبيرية تظل معلقة في رقبة من كان يملك سلطة التوقيع والقرار.

إن مصداقية الخطاب السياسي تبنى بالأساس على اتساق المواقف، فالمبادئ لا يمكن أن تكون خاضعة لمنطق التبدل بتبدل المواقع، فالساعة التي كانت ضرورة استراتيجية حين كان الحزب في دكة الحكم، لا يمكن منطقيا أن تصبح عائقا اجتماعيا بمجرد الانتقال إلى مقاعد المعارضة.

إن ما يحتاجه المواطن اليوم ليس خطابات تدغدغ المشاعر، بل يحتاج إلى نخب سياسية تملك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتنتج أفكارا حقيقية قادرة على التغيير، بعيدا عن أسلوب الوعود التي ليست في الأصل سوى محاولة لتصحيح خطايا ارتكبوها هم أنفسهم في حق طمأنينة الشعب.