خلف دخان الصواريخ.. معركة من يكتب السطر الأخير بين واشنطن وطهران وتل أبيب
جريدة النهضة
مشكات رضوان
تعد الحرب الدائرة اليوم في منطقة الشرق الأوسط نموذجا صارخا للصراعات الحديثة التي لم تعد تحسم فقط بهدير الطائرات أو دقة الصواريخ الموجهة، بل بصياغة “الرواية” التي تؤطر هذه الأحداث، فبينما يتبادل الأطراف القصف المادي على الأرض، تدور خلف الكواليس وفي الفضاء الرقمي معارك ضارية في العقول، حيث يتجاوز تضارب التصريحات بين طهران وواشنطن وتل أبيب كونه مجرد ارتباك سياسي أو تناقض إعلامي، ليصبح جوهر “حرب السرديات” التي تهدف إلى السيطرة على الوعي قبل السيطرة على الجغرافيا.
وفي هذا النمط من الصراعات الصامتة، لا يحتاج المحاربون إلى أسراب من المقاتلات بقدر حاجتهم إلى بروباغاندا محكمة وقادرة على تحويل تفسير الحدث إلى حدث بحد ذاته، انطلاقا من المقولة التاريخية التي تؤكد أن الحروب تخاض مرتين، مرة فوق تراب الميدان، ومرة في سجلات التاريخ التي يكتبها المنتصر بسرديته.
ويدرك كل طرف في هذه المعادلة المعقدة أن المدافع ستصمت في نهاية المطاف، لكن الكلمة الأخيرة هي التي ستحدد من سيجلس بموقف القوي على طاولة المفاوضات، ومن سيجد نفسه في قفص الاتهام السياسي أو التاريخي، ففي موازين القوى المعاصرة، ليس المنتصر من يملك السلاح الأقوى فحسب، بل من ينجح في تسويق “القصة الأفضل” التي تبرر أفعاله وتشرعن مكاسبه.
ومن هنا، يمكن فهم ذلك التناقض العجيب في الروايات حول مسارات المفاوضات أو تقدير حجم الأضرار ونجاح الضربات العسكرية، فكل طرف يبني جدارا سميكا من الكلمات ليحمي مستقبله السياسي في “اليوم التالي” للحرب، خوفا من ارتدادات الداخل الشعبي ومحاسبة الخصوم الخارجيين.
ومع الاقتراب من سيناريوهات الخروج من الأزمة، تشتد هذه الحرب النفسية بحثا عن “صورة نصر” أو على الأقل “هزيمة مشرفة” يمكن تسويقها للرأي العام، لأن خسارة الرواية تعني فتح أبواب الحساب السياسي والديمقراطي على مصراعيها، وهو حساب لا يرحم القادة الذين يفشلون في تبرير التضحيات.
وإذا كانت الحكمة التقليدية تقول إن “الحقيقة هي الضحية الأولى في الحرب”، فإن صراعات اليوم جعلت من الحقيقة “الجائزة الكبرى” التي يحاول كل طرف اختطافها وإعادة صياغتها بما يخدم بقاءه، إنها معركة إقناع الجماهير التي تتابع تفاصيل الميدان عبر الشاشات والمنصات بأن الدماء التي سفكت لم تذهب سدى، إيمانا بأن الشعوب قد تغفر الأخطاء الاستراتيجية، لكنها لا ترحم الهزيمة التي تفتقر للمبرر الأخلاقي أو الوطني.
وفي نهاية المطاف، سيقوم المؤرخون بتدوين الوقائع المجردة، لكن الخارطة الجيوسياسية للمستقبل ستتشكل بناء على من استطاع فرض روايته على العالم، ففي صراع الإرادات الكبرى، من يمتلك القدرة على كتابة القصة، هو من يمتلك مفاتيح المستقبل.
