نواكشوط وباماكو.. حادث على الحدود وتوتر دبلوماسي يختبر قدرة البلدين على الاحتواء
جريدة النهضة
عادت أجواء التوتر لتخيم من جديد على العلاقات الموريتانية المالية، إثر حادثة مأساوية راح ضحيتها شابان موريتانيان قتلا وأُحرقت جثثهما في منطقة “اصنيب انكان” داخل الأراضي المالية.
وبينما اتهمت عائلات الضحايا وقوى سياسية موريتانية عناصر من الجيش المالي بتنفيذ الجريمة رميا بالرصاص، سارعت باماكو لنفي تورط قواتها، معلنة فتح تحقيق رسمي وعزمها إرسال وفد رفيع المستوى إلى نواكشوط لبحث التنسيق الحدودي.
وتأتي هذه الحادثة لتعيد ملف أمن المدنيين في المناطق الحدودية الهشة إلى الواجهة، وسط مطالبات سياسية موريتانية حازمة، قادتها أحزاب “تواصل” و”جبهة المواطنة والعدالة”، بضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين وحماية الرعاة والمنقبين من الأخطار المتزايدة في ظل تداخل تحديات الإرهاب والتهريب.
هذا التصعيد الميداني تزامن مع انفراجة تدريجية في أزمة دبلوماسية أخرى، تمثلت في تراجع الجيش المالي عن اتهاماته السابقة لنواكشوط باحتجاز جنديين ماليين داخل أراضيها.
وجاء هذا التراجع عقب تقديم الأجهزة الأمنية الموريتانية تقريراً استخباراتياً موثقاً يفند الرواية المالية، ويثبت أن الجنديين كانا مختطفين لدى جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” داخل غابة “واغادو” المالية، وأُفرج عنهما مقابل فدية مالية، وليس عبر “عملية فرار” كما زعم بيان باماكو الأول.
وقد دفع هذا الحرج الاستخباراتي السلطات المالية إلى تعديل خطابها الرسمي وإسقاط اسم موريتانيا من بيانها الأخير، في خطوة قرأها مراقبون على أنها محاولة لتهدئة اللعب وتجنب صدام دبلوماسي مفتوح كانت تسعى إليه أطراف داخل المجلس العسكري المالي لتصدير أزماتها الداخلية.
وعلى الرغم من نجاح الدبلوماسية الموريتانية في نزع فتيل الأزمة عبر “التهدئة المحسوبة” واللقاءات المكثفة بين وزراء الخارجية وسفراء البلدين، إلا أن الوضع لا يزال يتسم بالهشاشة.
فبينما تحرص نواكشوط على عدم الانجرار لمربعات التصعيد أو المطالبة باعتذار علني، تظل المنطقة الحدودية الممتدة مسرحاً لعمليات عسكرية وتوترات أمنية تجعل الاستقرار هناك في حالة اختبار دائم.
ويبقى الرهان الموريتاني حالياً معلقاً على مدى جدية التحقيقات المالية في مقتل المواطنين الأخيرين، ومدى قدرة البلدين على تحويل التنسيق الأمني من مجرد بروتوكولات سياسية إلى واقع ميداني يحمي دماء المدنيين على حافة منطقة الساحل الملتهبة.
