تفوق ديبلوماسي.. كيف تحقق الرباط مكاسب استراتيجية بينما تتخبط الجزائر في ردود أفعال عشوائية
جريدة النهضة: مقال رأي
مشكات رضوان
في حين كانت الجزائر تستقبل السفير الأوكراني في ما يبدو كحركة انفعالية مرتبكة، كانت الدبلوماسية المغربية تنفذ خطة محكمة الأركان.
لقاء وزير الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الروسي سيرغي لافروف لم يكن مجرد التقاء دبلوماسي عادي، بل تتويج لسلسلة مباحثات استراتيجية مدروسة بعناية فائقة.
المغرب اختار توقيتا دقيقا بعبقرية، اللحظة التي تتولى فيها روسيا رئاسة مجلس الأمن، ما يضفي على التفاهم البيني بعدا دبلوماسيا استثنائيا وتأثيرا مباشرا على القرارات الأممية الحاسمة.
تعكس المقاربة المغربية فهما عميقا وراقيا للعبة الجيوسياسية المعاصرة، بدلا من الانجرار إلى سباق الردود المتسارعة والقرارات الفورية، اختارت الرباط نهج “البراغماتية الحكيمة” الذي يعتمد على بناء مصالح اقتصادية حقيقية وملموسة.
لقد وقعت المغرب وروسيا اتفاقيات استراتيجية متينة تشمل قطاعات حساسة وحيوية مثل الصيد البحري والطاقة، وهي قطاعات لا تقتصر فائدتها على البعد الاقتصادي المباشر، بل تمتد إلى بناء علاقات استراتيجية عميقة ومستدامة.
هذا التدرج الحكيم في بناء المصالح المشتركة يجعل روسيا ترى في شراكتها مع المغرب خيارا استثمارا طويل الأمد، وليس مجرد تعاون عابر.
التوقيت الذي نهجه المغرب لا يعكس مجرد صدفة، بل يدل على قراءة سياسية حادة للمتغيرات الدولية، فلقد فهم بوضوح أن روسيا تعاني من عزلة دولية متنامية جراء حربها في أوكرانيا، وأنها بحاجة ماسة إلى شراكات اقتصادية آمنة واستثمارات حقيقية في مناطق جديدة.
من هنا جاءت الخطوة المغربية الذكية.. تقديم نفسها كحليف اقتصادي موثوق وثابت، بعيدا عن الاستقطاب الأيديولوجي، وبشكل يحقق المصالح المشتركة، هذه الرؤية البعيدة للدبلوماسية المغربية تعكس قيادة سياسية تعي أهمية التسلسل والتدرج في الخطط الاستراتيجية.
وفي المقابل، جاءت الخطوة الجزائرية نحو أوكرانيا كردة فعل مرتبكة تعكس ارتباكا دبلوماسيا واضحا.
استقبال وزيرة التجارة الجزائرية للسفير الأوكراني ومناقشة اتفاقية تجارية حرة، وإن بدت محاولة لتنويع الشراكات، جاءت مجرد ردة فعل ضد التقارب المغربي الروسي، بدلا من أن تكون جزءا من رؤية استراتيجية متكاملة.
هذا التسرع الجزائري يحمل مخاطر جسيمة، قد تترجمه موسكو كموقف معاد، خاصة وأن أوكرانيا تشكل خصما جيوسياسيا مباشرا للكرملين.
بهذا، تضع الجزائر نفسها في موقع دفاعي ضعيف بدلا من موقع استباقي قوي.
الدبلوماسية المغربية، بدهائها، لم تكتف بالخطوات الاقتصادية، بل بنت حسابها على فهم عميق لديناميات مجلس الأمن الدولي.
المغرب يدرك أن روسيا، بامتلاكها لحق النقض “الفيتو”، يمكنها أن تلعب دورا محوريا في مناقشات نهاية أكتوبر المتعلقة بإعادة تعريف دور بعثة “المينورسو” الأممية.
المراهنة المغربية ذكية جدا، إذا استطاع بناء مصالح اقتصادية حقيقية مع موسكو، فإن روسيا ستميل بشكل طبيعي نحو اعتماد موقف براغماتي يدعم الاستقرار في الصحراء، ويتقبل مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي بدلا من مواصلة دعم خيار الاستفتاء الذي يبدو بعيد المنال.
هذا الحساب للدبلوماسية المغربية يعكس فهما راقيا لآليات القوة الناعمة، بدلا من المواجهة المباشرة أو اللغة الحادة، اختار المغرب لغة المصالح المشتركة والفائدة الاقتصادية المتبادلة.
روسيا، التي تبحث عن موطئ قدم استراتيجي في إفريقيا وتحتاج إلى تعزيز حضورها الدولي كقوة قادرة على الموازنة بين الأطراف، ستجد في الشراكة المغربية فرصة ذهبية.
المغرب يقدم لها ما تحتاجه.. استقرارا، مصالح اقتصادية حقيقية، وفرصة للعب دور الوسيط الحكيم في نزاع إقليمي معقد.
في حين تجد الجزائر نفسها في موقع حرج، مضطرة إلى اللجوء إلى أوكرانيا في محاولة لاستعادة التوازن، تقف الرباط في موقع قوة متنامية.
الدبلوماسية المغربية لم تنتظر الأحداث، بل صنعتها بحكمة وفطنة، هذا الفارق بين الموقفين يعكس فارقا حقيقيا في القدرة على قراءة المتغيرات الجيوسياسية والاستجابة لها بذكاء استراتيجي، المغرب اختار أن يكون صانع القرار، لا متفرجا أو مضطرا للرد على تحركات الآخرين.
النتيجة المتوقعة لهذه الديناميكية واضحة، ستجد الرباط في روسيا، خلال مناقشات مجلس الأمن القادمة، دولة ذات مصالح مشتركة معها، وبالتالي ميلا طبيعيا نحو دعم استقرار الصحراء ومشروع الحكم الذاتي .
بينما ستكتشف الجزائر أن خطوتها نحو أوكرانيا لم تحدث التأثير المرجو، وقد تكون بدلا من ذلك أضعفت موقعها لدى موسكو دون أن تكسبها حليفا حقيقيا في كييف.
هذا هو فن الدبلوماسية الحقيقية، القدرة على قراءة اللحظة، واختيار التوقيت الصحيح، وبناء مصالح حقيقية تضمن الربح الاستراتيجي على المدى الطويل.

