احتجاجات الشباب.. صرخة مشروعة أم فوضى مرفوضة؟
جريدة النهضة: مقال رأي
مشكات رضوان
خرج شباب الجيل Z إلى شوارع المدن المغربية في نهاية شتنبر الماضي، حاملين لافتات تطالب بتحسين الصحة والتعليم، ورافعين أصواتهم ضد الفساد وغلاء المعيشة.
كانت صرخة واضحة من جيل يشعر بالإحباط، جيل يرى أحلامه تتبخر في مستشفيات عمومية متهالكة ومدارس لم تعد قادرة على منحه المستقبل الذي يستحق.
هذه الاحتجاجات ليست مجرد غضب عابر، بل هي تعبير عن أزمة هيكلية عميقة، عندما يجد الخريج الجامعي نفسه عاطلا، وحين يضطر المريض للانتظار أشهرا لإجراء عملية جراحية، وعندما تتحول المدرسة العمومية إلى مكان لا يلبي الحد الأدنى من التطلعات التعليمية، فإن الاحتجاج يصبح حقا مشروعا بل واجبا وطنيا.
لكن ما يستحق التوقف عنده والإشادة به، هو تلك المشاهد المؤثرة التي رصدتها عدسات الكاميرات في بعض المدن، حيث قدم محتجون شباب الورود لعناصر قوات الأمن، في رسالة رمزية عميقة تختزل معنى الوطنية الحقيقية.
هذه اللفتة النبيلة تؤكد أن الخلاف حول السياسات لا يعني العداء للوطن أو لمؤسساته، وأن الاحتجاج السلمي يمكن أن يكون مدرسة في الحضارية والاحترام المتبادل، تلك الورود لم تكن مجرد إيماءة عابرة، بل كانت بيانا واضحا من جيل الشباب.. نحن نحب وطننا، نحترم مؤسساته، نقدر رجال الأمن الذين يسهرون على حمايتنا، لكننا في الوقت نفسه نريد مستقبلا أفضل، نريد خدمات عمومية تليق بكرامتنا، هذا هو جوهر المواطنة.. حب الوطن لا يتناقض مع النقد البناء، والتقدير للمؤسسات لا يعني السكوت عن الخلل.
غير أن المشروعية لا تعني الفوضى، والتظاهر السلمي وإن كان حقا دستوريا يجب احترامه وحمايته، فإن التخريب وتعطيل المصالح العامة والاعتداء على الممتلكات يبقى خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.
وهنا تبرز ضرورة الحذر واليقظة من الدعوات المشبوهة التي تنتشر على بعض منصات التواصل الاجتماعي، تلك الحسابات المجهولة التي تسعى لتأجيج الأوضاع ودفع الشباب نحو العنف والفوضى.
هذه الأصوات ليست بريئة، وأهدافها ليست وطنية، بل تخدم أجندات خارجية أو داخلية تريد زعزعة استقرار البلاد واستغلال مطالب الشباب المشروعة لأغراض مشبوهة، حركة “GenZ212” نفسها أدركت هذه الخطورة حين تبرأت من كل دعوات العنف أو المساس بثوابت البلاد، محذرة من “الذباب الإلكتروني” الذي يحاول التشويش على مسارها السلمي.
على الشباب أن يكونوا واعين بهذه المخاطر، وأن يرفضوا الانجرار وراء دعوات مجهولة المصدر تريد تحويل احتجاجهم السلمي إلى فتنة وفوضى.
الحكومة من جهتها خرجت عن صمتها، معترفة بالتقصير في القطاعات الاجتماعية، وفاتحة الباب للحوار، لكن الاعتراف بالمشكلة لا يكفي، والحوار لن يكون ذا جدوى إن لم يتحول إلى إجراءات ملموسة ضمن جدول زمني واضح، الشباب لم يعد يقنع بالوعود، بل يريد أفعالا.
إن مستقبل هذا الحراك يتوقف على قدرتنا جميعا على التمييز بين الحق المشروع والتجاوز المرفوض، فالاحتجاج السلمي بوصلة للإصلاح، أما العنف والتخريب فطريق نحو الهاوية، والحكمة تقتضي أن نستمع لصوت الشباب قبل أن يصم الغضب آذاننا جميعا.
المطلوب اليوم ليس قمع الأصوات، بل الإنصات لها وترجمتها إلى سياسات عمومية جديدة، الشباب الذي يقدم الورود لرجال الأمن ويطالب في الوقت نفسه بمستشفى نظيف ومدرسة جيدة وفرصة عمل كريمة، يعطينا درسا في الوطنية الحقيقية. هؤلاء لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بأبسط حقوقهم. والدولة التي تحترم مواطنيها هي التي تستجيب لهم قبل أن يتحول الإحباط إلى يأس.
أما المندسون والمشبوهون الذين يريدون استغلال هذا الحراك لبث الفوضى، فيجب أن نكون جميعا، شبابا وحكومة ومجتمعا، يدا واحدة في كشفهم وإفشال مخططاتهم، فالوطن للجميع، والإصلاح مسؤولية مشتركة، والسلمية هي الطريق الوحيد نحو التغيير الحقيقي.

