التوازن الجهوي في الحكومة الجديدة.. غياب التمثيلية الوزارية للأقاليم الجنوبية يثير النقاش
جريدة النهضــة من العيــون
أعاد غياب أي اسم منحدر من الأقاليم الجنوبية عن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري النقاش حول العلاقة بين الحضور الانتخابي والحضور في مواقع القرار. وقد أبدى فاعلون ونشطاء بالمنطقة استغرابهم من هذا الغياب، وتساءلوا عن أسباب عدم تضمين التشكيلة الحكومية أي كفاءة قادمة من الصحراء المغربية.
وكان جلالة الملك محمد السادس قد عين المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب.
وبعد مشاورات لتشكيل الأغلبية، أدى 32 وزيرا، بينهم 7 نساء، ينتمون إلى أربعة أحزاب من اليمين، اليمين الدستورية أمام الملك يوم 16 أكتوبر. وقالت المنصوري إن الأحزاب الأربعة سبق لها أن اشتغلت من مواقع مختلفة، وإن ما يجمعها هو التقارب في المرجعيات والبرامج.
وتكتسي هذه الملاحظة حساسيتها من كون الأقاليم الجنوبية كانت من أبرز ملامح الاستحقاقات الأخيرة. فقد بلغت نسبة المشاركة 77 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، و53.48 في المائة بجهة كلميم-واد نون، في حين لم يتجاوز المعدل الوطني 38.08 في المائة. كما تقاسمت أحزاب عدة المقاعد في المنطقة، إذ احتفظ حزب الاستقلال بحضور قوي في عدد من الدوائر، وتقدم الأصالة والمعاصرة في دوائر أخرى، وحافظ التجمع الوطني للأحرار على مواقعه في طرفاية وكلميم وسيدي إفني وطانطان.
وتجعل هذه المعطيات الجنوب، بحسب متابعين، حاضرا بقوة في صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة، وهو ما يضاعف التساؤل حول غيابه عن التشكيلة الحكومية.
ويكشف التوزيع الجهوي للحقائب هذا التفاوت بوضوح. فجهة فاس-مكناس تحظى بثمانية وزراء، تليها الرباط-سلا-القنيطرة بخمسة، ثم الدار البيضاء-سطات وطنجة-تطوان-الحسيمة بأربعة لكل منهما، وسوس-ماسة والشرق بثلاثة لكل منهما، ومراكش-آسفي وبني ملال-خنيفرة بوزيرين لكل منهما، ودرعة-تافيلالت بوزير واحد، بينما تظل جهات كلميم-واد نون والعيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب بلا أي تمثيلية وزارية.
وفي المقابل، ظل حضور الأقاليم الجنوبية في الحكومات المتعاقبة محدودا ومتقطعا منذ استرجاعها. فقد تولى خليهن ولد الرشيد مسؤوليات حكومية منذ 1977، من كاتب دولة لدى الوزير الأول إلى وزير منتدب مكلف بتنمية الأقاليم الصحراوية سنة 1985. وشغل محمد الشيخ بيد الله حقيبة الصحة في حكومة إدريس جطو بين 2002 و2007، قبل أن يترأس مجلس المستشارين سنة 2009. وتولى أحمد لخريف مهمة كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية في حكومة عباس الفاسي، وشغلت امباركة بوعيدة منصب وزيرة منتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية سنة 2013، ثم كاتبة دولة مكلفة بالصيد البحري سنة 2017. أما رقية الدرهم فكانت كاتبة دولة مكلفة بالتجارة الخارجية في حكومة سعد الدين العثماني بين 2017 و2019، فيما شغل مصطفى بيتاس منصب الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة بين 2021 و2026.
وتتباين القراءات بشأن دلالات هذا الغياب. فهناك من يربطه بمعايير اختيار الكفاءات ومدى مراعاة التوازن الترابي في تشكيل الحكومات، وبقدرة الأحزاب على ترجمة الحضور الانتخابي للنخب الصحراوية إلى مشاركة فعلية في القرار المركزي.
وقد امتد الجدل إلى داخل الأغلبية نفسها، إذ أثار حصول حزب الاستقلال على ست حقائب وزارية استياء في صفوفه، وسط تساؤلات بشأن تمثيل الكفاءات الصحراوية. في المقابل، يرى آخرون أن المسألة لا يمكن اختزالها في هذا البعد، مشيرين إلى وجود شباب ومنتخبين وقياديين من المناطق الجنوبية في مختلف الأحزاب، بما فيها المشكلة للحكومة.
ويحذر بعض المتابعين كذلك من تحويل التمثيل الجهوي إلى مجرد حساب عددي أو مطلب حصصي، مع التأكيد على أهمية توسيع قاعدة المشاركة في القرار الوطني والاستفادة من الكفاءات المحلية.
كما يلاحظ أن غياب الأسماء الجنوبية لا يعني غياب قضايا المنطقة عن اختصاصات الحكومة، إذ تتولى قطاعات عدة ملفات تنميتها، لكن الجدل يتعلق أساسا بالمشاركة في صناعة القرار السياسي.
وفي هذا السياق، شددت المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، على أن قضية الصحراء المغربية تظل في مقدمة الأولويات الوطنية، مع مواصلة حشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي بالتوازي مع تسريع تنمية الأقاليم الجنوبية.
ويبقى السؤال المطروح أمام الأغلبية الجديدة هو كيف ستترجم هذه الأولوية المعلنة إلى حضور فعلي للنخب الصحراوية في دوائر القرار، سواء عبر التعديلات الحكومية المقبلة أو عبر الدواوين والمؤسسات والمناصب العليا، خاصة أن الحكومة لا تزال في بداية ولايتها.
