حين يصبح تطبيق القانون «إقصاء»… وتتحول خسارة النفوذ إلى معركة نقابية
جريدة النهضــة – العيــون
يبدو أن بعض التنظيمات النقابية بالقطاع الصحي بإقليم العيون الساقية الحمراء تعيش اليوم حالة من الارتباك غير المسبوق، بعدما وجدت نفسها أمام واقع إداري جديد لا يشبه المرحلة السابقة، واقع عنوانه الواضح: تطبيق القانون، ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع حد للتسيب والامتيازات غير المستحقة.
فبعد أن كان الخطاب النقابي يتحدث عن الحوار والشراكة، أصبحنا اليوم أمام سيل من الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين كلما اتخذوا قرارا إداريا لم يرق لبعض المحسوبين على التنظيم.
فهل كل إعفاء من مسؤولية هو «انتقام»؟ وهل كل تغيير في مقر العمل هو «إقصاء»؟ وهل كل مطالبة باحترام أوقات العمل والواجبات المهنية أصبحت استهدافًا نقابيًا؟
أم أن المشكلة الحقيقية هي أن قواعد اللعبة تغيرت؟
يبدو أن البعض لم يستوعب بعد أن المرحلة الجديدة لا تسمح باستمرار نفس الأساليب التي طبعت سنوات سابقة، وأن الإدارة عندما تبدأ في ترتيب البيت الداخلي، وإعادة توزيع المسؤوليات، وربط الحقوق بالواجبات، فإن أول من يشعر بالقلق هم أولئك الذين اعتادوا على الاستفادة من مناطق رمادية داخل التدبير الإداري.
والأكثر دلالة أن التنظيم الذي كان قويًا بحجم نفوذه وحضوره داخل القطاع، أصبح اليوم مضطرا إلى إطلاق الاتهامات يمينًا ويسارا كلما فقد أحد مواقعه أو امتيازاته، وكأن الدفاع عن النقابة أصبح هو نفسه دفاعا عن أشخاص ومواقع بعينها.
بل إن المؤشرات الميدانية، كما يلاحظها عدد من المتابعين، تكشف عن تراجع في منسوب الثقة والالتفاف حول هذا التنظيم، وفقدانه تدريجيا لعدد من منتسبيه، وهو ما يطرح سؤالا بسيطا:
هل المشكلة فعلا في الإدارة، أم أن التنظيم بدأ يفقد جزءًا من قواعده لأنه لم يعد قادرا على تقديم نفسه باعتباره عنوانا للمصلحة الجماعية؟
النقابة القوية لا تخشى تطبيق القانون، بل تطالب بتطبيقه على الجميع.
ولا تخشى الإصلاح، بل تكون أول من يدعمه.
ولا تحتاج إلى حماية شخص أو منصب، لأن قوتها الحقيقية تأتي من الدفاع عن جميع الموظفين دون تمييز.
أما عندما يصبح التنظيم النقابي في حالة دفاع مستمر عن ممارسات أو مواقع أو امتيازات مهددة، فهنا يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام دفاع عن الحقوق، أم أمام محاولة لاستعادة نفوذ فقد بريقه؟
لقد انتهى زمن يجب فيه على الإدارة أن ترضي هذا الطرف أو ذاك حتى تضمن الهدوء.
وانتهى زمن اعتبار الاحتجاج النقابي وسيلة للضغط من أجل انتزاع مواقع أو امتيازات.
وانتهى أيضا زمن أن تكون بعض الأسماء فوق التقييم والمساءلة لمجرد أنها تحمل صفة نقابية.
اليوم، المطلوب هو شيء واحد: إدارة قوية وعادلة، ونقابة مستقلة ومسؤولة، وموظف يؤدي واجبه ويحصل على حقوقه كاملة.
ومن يريد الإصلاح الحقيقي فليدعمه، ومن يريد محاربة التسيب فليكن أول المدافعين عن الإدارة عندما تطبق القانون، ومن يطالب بالشفافية فليبدأ بها داخل تنظيمه قبل أن يطالب بها الآخرين.
أما أن يتحول كل إصلاح إلى «استهداف»، وكل محاسبة إلى «انتقام»، وكل تغيير إداري إلى «إقصاء»، فذلك لن يقنع أحدًا.
فالمرحلة الجديدة ستكشف الجميع.
ومن كان وجوده قائما على الكفاءة، سيبقى.
ومن كان قائما على الولاء، سيسقط.
ومن كان يستمد قوته من الموظفين، سيزداد قوة.
ومن كان يستمدها من النفوذ والامتيازات، فسيجد نفسه وحيدًا.
وفي النهاية، ليست القضية من انتصر في معركة نقابية عابرة، وإنما من انتصر للمرفق العمومي ولحقوق الموظفين وللمريض.
وعلى وعلى أعدائي… فليكن القانون هو الحكم، وليكن الإصلاح هو المعيار، وليتحمل كل طرف مسؤولية مواقفه أمام الموظفين والرأي العام.
